فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 278

وكأنما أرادوا تبيان حسن نيتهم ومقصودهم من السؤال: {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} نريد أن تنزل علينا المائدة من السماء فتكونَ آية سماوية مع الآيات الأخرى التي شاهدناها منك، وأن نتناول طعامها ونتذوقه حسا مباشرا لا تصورا وتخيلا {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} فيزداد يقيننا وطمأنينتنا باستجابة الله دعاءك وقبوله منك. {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ويقوى تصديقنا برسالتك وبما ذكرت لنا من أخبار الغيب والآخرة {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} ونكون على هذه الواقعة إن ذكرناها لمن لم يحضرها من بني إسرائيل شاهدين بما رأته عيوننا وتناولته حواسنا على قدرة الله وكرامة نبيه لديه.

حينئذ توجه عيسى عليه السلام بالدعاء إلى الله مناديا:

{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} وقيَّد دعاءه بثلاث صفات للمائدة، أولاها {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} يكون نزولها عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا، وثانيتها: {وَآيَةً مِنْكَ} وتبقى فينا آية ودليلا على قدرتك ووحدانيتك وصدق نبيك، وثالثتها: {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} واجعلها فاتحة رزق دائم لا ينقطع لأنك خير من يرزق.

واستجاب الحق سبحانه دعوة عبده الصالح وجاء الرد مؤكَّدا بحرف"إن"والجملة الإسمية:

{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وَعْدٌ حق منه تعالى لا يُخلف، يوجب الاعتقاد بأن المائدة قد نزلت عليهم، خلافا لمن زعم من بعض المفسرين أنها لم تنزل.

ثم كيلا يصبح طلب الخوارق أو الكفر بها بعد نزولها أو وقوعها تسلية ولهوا أو تلاعبا وسخرية، أعقب الله تعالى هذا الوعد بقوله لهم مهددا متوعدا {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} أي: فمن يكفرْ بَعْدَ نزول هذه الآية يعذبه الله بما لم يعذب به أحدا من الخلق. قال ابن عمر:"إنَّ أشدَّ الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت