الصفحة 30 من 43

الناس (98) كما يقول آرثر كستلر. واستفادت الماركسية من انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية فابتلعت دول أوربا الشرقية.

كل هذه العوامل -وأخرى غيرها- أدت إلى إرتماء الشباب الأوربي في أحضان الشيوعية، ثم اكتشفوا زيفها فخرجوا يائسين ساخطين، يقول (سيلوني) مازحا لرفيقه (توكلياني) معبرا عن نفسية هؤلاء الشيوعيين الساخطين: (إن المعركة الفاصلة ستكون بين الشيوعيين وبين من خرجوا على الشيوعيين) (99) . ولقد كان بيرتراند راسل -الفيلسوف البريطاني- أحد القلائل الذين أدركوا تهافت التطبيق الماركسي منذ السنة الثالثة للثورة، فقد كتب كتابه (البلشفية بين النظرية والتطبيق) الذي ألفه سنة (1920م) ، ثم أعاد طباعته دون أن يحتاج إلى تغيير كلمة واحدة.

ومن الأمثلة على اليائسين من الشيوعية الفيلسوف الفرنسي (أندريه جيد) الذي كان متحمسا للشيوعية ويرى أن خلاص البشرية من آلامها سيكون في ذلك الفردوس. وقد كان يقول عن الإتحاد السوفيتي: (إنه لم يكن مجرد الوطن المختار أو المثال، أو مهبط الوحي، بل كان أكثر من ذلك وأسمى، لقد خيل إلي في البداية أن أشق الأمور قد إنجزت، فكنت على استعداد لأن أوقع عن البشرية المعذبة دون قيد ولا شرط) (100) . لكن ولأول زيارة لجيد سنة (1936م) لروسيا تحطمت كل آماله، وعاد يائسا من الشيوعية وقال (101) : (هل هنالك دولة أخرى في العالم قد كان فيها الروح والعقل أقل حرية وأكثر ذلة واستعبادا وجبنا منها في السوفيات) .

لقد سقطت الشيوعية من جميع النواحي:

1 -فمن ناحية المساواة: التي خدع الشيوعيون بها العمال، وكم جذب بريقها من فراش البشر ليصطلي في نار الشيوعية، وبعد نجاح الثورة البلشفية فاتح الشيوعيون الناس بأن المساواة مستحيلة، وأن المساواة هي تحطيم الطبقات (أي الوصول إلى الحكم) . يقول لينين في (6/ 2/1919م) : (لقد أصاب انجلز ألف مرة حين صرح بأن كل طلب للمساواة يتجاوز المناوأة لمحو الطبقات، هو تحيز سخيف عن دائرة المعقول) (101) . ويقول ستالين في تقريره إلى مؤتمر الحزب السابع عشر عام (1934م) : (نحن نستطيع أن نجد في فوارق الأجور بين الأعلى والأدنى في الإتحاد السوفيتي، وهذا ما ذهب إليه إنجلز ولينين وستالين، فهذه الفوارق كثيرا ما تزيد مثيلتها في المجتمعات الغربية أو تبلغ حدوده، فهي مرة عشرة أمثال وهي مرات عشرون مثلا أو يزيد) (101) .

ثم أين الفوارق في محو الطبقات، فهنالك طبقة الحزب الشيوعي التي تعيش، وبقية الشعب لا حياة له، يأكل السغوب، ويقتات الألم، وإن شئت فاقرأ كتاب (الطبقة الحاكمة للكاتب اليوغسلافي ميلوفان دوجلاس) الرجل الثاني بعد تيتو لترى الحقائق المرة عن مصاصي الدماء الشيوعيين; الذين يعيشون فوق السحاب وعامة القطعان تحت التراب. وقد نال صاحبه عقوبة السجن تسع سنوات.

2 -الحرية والديمقراطية: يرى ماركس أن ديكتاتورية البروليتاريا ضرورية في البداية لتصفية الرجعية والبرجوازية، ثم تختفي الحاجة إلى السلطة والدولة، وتسقط الدولة طبيعيا، وتدار الدولة بلا جيش ولا بوليس. ولهذا درجت الدول الإشتراكية على تسمية نفسها الديمقراطية الشعبية. ولكننا نرى أن الديكتاتورية والظلم يزداد يوما بعد يوم، وكل الناس في المجتمعات الإشتراكية يعيشون داخل سجن حديدي.

فالفرد في الإتحاد السوفياتي محروم من جواز السفر، ومن التنقل، ولو ملك الناس حرية السفر لما بقي في روسيا إلا ثلاثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت