الصفحة 29 من 43

14 -درج الشيوعيون على تسمية الشيوعية (بالماركسية اللينينية) وكأنهما قول واحد وبنية واحدة، ولكن المتفحص في كلام لينين بعد سنة (1902م) يشعر بالبون الشاسع والإنفصام الواسع بينه وبين كلام ماركس، إذ أن لينين بعد سنة (1902م) وبعد كتابه (ما العمل) تظهر في كتابته الآراء الدموية التي جسدها فيما بعد ستالين واقعا حيا في شلالات الدم التي جرت أنهارا في (الصراع الطبقي في ظل دكتاتورية البروليتاريا) ، ولذا فآراء لينين غير آراء ماركس (91) . فالديمقراطية التي دعا إليها ماركس أصبحت دكتاتورية دموية في آراء لينين. يقول الكسندر حربي في كتابه تطور النظرية الإقتصادية (92) . ص (307) : (كان من الممكن ألا يجد كالفن شخصا مثل ماركس، ومن الممكن ألا يجد ماركس رجلا مثل لينين، إن الأصوب عند تفسير التاريخ أن يتواضع المرء وربما أن يعتقد بعدم كفاية عقله لإدراك الغيبيات، ذلك أن يدرك أن تاريخ الإنسان إنما تكونه عوامل كثيرة; ليس الإقتصاد إلا عاملا واحدا منها، وهو ربما لم يكن أكثرها أهمية) (93) .

إن أشد الناس احتراما للنظرية الماركسية; يرى أن الإقتصاد ليس هو العامل الوحيد في بناء الأمم وحضارتها. فهذا (جي. دي. أيج. كول) يقول (94) : (إن الأساس الإقتصادي للمجتمع عامل واحد فقط من عوامل تصوير الشكل العام للحضارة، حتى ولو كان أهم عامل) . ويضرب برتراندرسل (95) في كتابه (الآمال الجديدة للعالم المتغير) عدة أمثلة حاسمة تبين تهافت النظرية الماركسية في تفسيرها أحداث التاريخ اقتصاديا فيقول: (لقد كان مجازفة أن تسمح الحكومة الألمانية بأن يعود لينين إلى روسيا سنة(1917م) ، ولو أن ذلك الوزير المختص قال: لا، ولم يقل نعم التي قالها فعلا، لكان صعبا أن نتصور أن الثورة الروسية كانت ستتخذ السبيل التي اتخذتها، ثم لو أن (جنوا) لم تسلم جزيرة كورسيكا إلى فرنسا سنة (1768م) لكان نابليون الذي ولد فيها في السنة التالية إيطاليا، ولما كانت له في فرنسا حياة سياسية، والآن لا يكاد يستطيع امرؤ أن يدعي ادعاء جديا بأن تاريخ فرنسا كان سيكون نفسه بنفسه بدون نابليون).

إن هنالك لحظات حاسمة في التاريخ يتخذ فيها رجال مواقف تنقذ أمة بكاملها أو تدمرها. فلحظة قرار أبي بكر لتسيير الجيوش في حرب الردة; أنقذت الأمة المسلمة من خطر محدق وفناء قد يكون محققا. وما أجمل عبارة الكسندر جري في النظرية الماركسية (96) : (إن ماركس واضع أساطير، فيها الحقيقة أمر ثانوي مادامت الأسطورة تصور مايرغب في أن يعتقده وما دام في هذه العقيدة قوة تلهم العمل، هذه الفلسفات لا داعي لها أن تكون صحيحة في نفسها، ولكنها يجب أن تتفق مع عواطف الجماهير الكافحة) .

المبحث الثاني: سقوط التطبيق الماركسي وفشل الثورة العمالية:

لقد استفادت الثورة البلشفية من عوامل كثيرة حتى قامت على أقدامها. فقد استفادت من خروج روسيا منتصرة من الحرب العالمية الأولى بعد الذي عاناه الناس من ظلم القياصرة ورجال الدين. واستفادت من الفراغ الهائل الذي أعقب الحرب الأولى بعد أن انطلق الشعبان الأمريكي والإنجليزي إلى عصر الجاز ابتداء من سنة (1920م) (ونادوا بحلول الخمر محل الدم) وسقطت القيم التي كانت تسود المجتمع قبل الحرب. وظن الناس أن الفلسفة الماركسية هي المرشح لملء الفراغ النفسي لدى جماهير الاوروبيين. واستفادت الماركسية في الثلاثينات من استفحال أمر الفاشية والنازية ولم يبق أمام الكاتب أو الشاب المثقف إلا الهرب إلى البلشفية; لأنها القوة الوحيدة التي يمكن أن تقف أمام (البرابرة: حملة الصليب المعكوف) (97) . واستفادت الماركسية من الجشع الغربي لامتصاص دماء البشر، ومن أجل إبقاء الأسعار مرتفعة كانت آلاف الأطنان من الثمار والحبوب وعشرات الألوف من الخنازير تلقى في البحر، بينما الجوع ينشب أظفاره في خناق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت