الصفحة 33 من 43

إن نغمة الشكلية الآن في الإتحاد السوفياتي هي المعول الذي تدفن به كل المواهب والطاقات والأفكار التي تخالف آراء قيادة الحزب الشيوعي. ولذا فليس أمام المفكر والأديب المعارض -وما أكثرهم- من طريق سوى أن يسلك أحد ثلاثة سبل: 1 - الهرب الى الدول الغربية وهذه ظاهرة كبيرة في الدول الإشتراكية، فقد هجرت الأدمغة هذه الأوطان التي عاشت فيها. 2 - أن يتخلص من الحياة بالإنتحار أو الشذوذ النفسي والتمرد. 3 - أن يجد مكانة بين المصفقين الذين يحرقون البخور ويهللون ويكبرون باسم الحزب، ويدفن جميع أفكاره لتصبح الحياة وقيمها عنده لقمة غذاء أو خرقة كساء.

5 -من ناحية وحدة الأمل والهدف والفكر: فقد باتت الإشتراكية تعاني تمزقا رهيبا في أفكارها وواقعها. وأصبحت المؤتمرات العالمية للحزب الشيوعي تنادي بنبذ أفكار ماركس ولينين التي أدت إلى جمود البلدان التي تتمسك بها. وبعد بيانات خرتشوف سنة (1956م) التي تضمنت كشف فضائح ستالين وجرائمه وحصلت ردة عنيفة من قبل كثير من معتنقي الشيوعية، لقد صرح خرتشوف عن سلفه ستالين بأنه وحش مجرم قذر وأخرج رفاته من مقابر عظماء السوفيات إلى مقابر العامة. ومن الأمثلة الكثيرة على التحول بعد سنة (1956م) روجيه جارودي الذي بدأ يكتب في فرنسا ويعلن بملء صوته بوجوب التطور في الأفكار القديمة وكتب (ب. ليفي) كتابه عن الشيوعية تحت عنوان (البربرية في وجهها الإنساني) وكتب (ج. بينو) كتابه عن الشيوعية تحت عنوان (مات ماركس) (110) : (لقد وقفت الصين الإشتراكية مع أمريكا الإمبريالية الرأسمالية ضد الإتحاد السوفياتي الإشتراكي. لقد سقطت الهالة الكبيرة التي أقامها صاحب الثورة الثقافية الصينية(ماوتسي تونغ) لنفسه. سقطت ولما يمض على موته سنتان فقط). فتقول الصحف الصينية عن أستاذها الكبير ماو: (دكتاتوري فاشي ايديولوجيا. وتطالب بمحاكمة الثورة الثقافية، وإعادة الإعتبار إلى ضحاياها، وإعدام قادة الحرس الأحمر القدماء) . (110) .

يقول ريمون أرون: (إن هذا اليسار المهووس كان فوضويا معقدا، يبعث على الفزع، شأنه شأن الحوادث الفظيعة التي خلفته فانتسب اليها. لقد كانت وحدته وحدة خرافية لا أكثر) ، فهو لم يتحد على الإطلاق، بل ظل متغيرا شذر مذر (111) .

ان فلسفة ماركس ولينين لم تعد فلسفة تملأ على الغربي نفسه وتسد فراغه، لقد أصبحت الماركسية نزعة اقتصادية عند الشيوعي. فكثير من الشيوعيين يترددون على الكنيسة وداسوا على كلام ماركس ولينين القائل (لا إله والحياة مادة) . لقد خرجت بعض الإحصائيات تقول: إن (70%) من الحزب الشيوعي الإيطالي يترددون على الكنيسة. لقد عاشت التجربة الإشتراكية الشيوعية في مهدها الأصلي حتى الآن سنة (1970م) لا لأنها طبقت بل لأن الدولة خالفت النظرية في التطبيق، لأن النظرية لا تطبق في دنيا الناس.

لقد فشلت الشيوعية أو الماركسية أن تمحو الطبقات في المجتمع. بل أصبح المجتمع الإشتراكي طبقتين: طبقة الحزب وكوادره، وهؤلاء المترفون المنعمون، وبقية الناس: قطعان يمتص عرقها، ودمها ثم تساق إلى حبل المشنقة أو المنفى (112) .

لقد حل الحزب بدل طبقة الرأسماليين وأصبح علقة تمتص دماء الشعوب.

لقد أضحى الحزب الشيوعي أفيونا للجهلاء فيغويهم، وسيفا مسلطا على رقاب العقلاء فيفنيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت