أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجامعة المسلمين، فإن يد الله على الجامعة ومن شذ شذ في النار .. ثم أوصيكم أيها المسلمون ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، فهو العالم سبحانه بما ظهر وما بطن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) } [1] .
عباد الله مرت أيام الحج ومناسكه كسحائب ديم برقت ورعدت ثم أمطرت وأغاثت، أمطرت الرحمات وأغاثت بتكفير السيئات، ومثل هذا ينبت ويثمر، نعم يثمر صلاحًا وتقى واستقامة وهدى، ذلكم أيها المسلمون أن من فضل الله على من اكتسب الحسنات أن يزداد إيمانه وتصلح أعماله، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) } [2] أن يزداد من نور الله نورًا وللأعمال الصالحة قربة وحبورًا، وإن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق .. ولقد كانت الأيام السالفة موسمًا للحجاج والمقيمين، وأيامًا من أعظم أيام الله تبارك وتعالى .. أعمال صالحة متنوعة، وتقرب إلى الله وازدلافًا لمرضاته، وقد ورد أن العتق من النار في يوم عرفة يشمل الحاج وغير الحاج، فهنيئًا لمن قبل الله طاعته وإن كان قاعدًا في بيته، هنيئًا لمن أعتق من النار، وهنيئًا لمن عاد من حجه كيوم ولدته أمه ليس عليه ذنب ولا خطيئة، حين ينقلب الحاج إلى أهله في إيهاب طاهر وباطن أحلى من الظاهر.
أيها المسلمون .. ختام الحج كختام العام، وقفة للعاقل للمحاسبة والمراجعات، كما يفعل أصحاب الأموال والتجارات في كل عام يراجعون ويدققون، يحاسبون ويسائلون، تصحيحًا للخطأ واستثمارًا للصواب، وسعيًا حثيثًا للربح وتجنب الخسار .. والمؤمن في سيره إلى الله أولى بهذه المحاسبة وهذا التدقيق، سيما وهو في أعقاب موسم عظيم من أيام الله المباركة، والذي
(1) سورة آل عمران
(2) سورة محمد