قال الله فيه سبحانه {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ ... (200) } [1] ... إن الذكر المتبادر هو الذكر باللسان بجميع أنواعه، سواء المطلق العام أو الخاص بالأوقات والأحوال، وهذا مقصود ولا شك لكن الذكر الذي لا يجوز نسيانه هو ذكر الله تعالى بالقلب، واستحضار مراقبته الدائمة للعبد، وتذكر إطلاعه وعلمه، وأنه يراك ويعلم منقلبك ومثواك، وأنه الرقيب الذي لا يغفل، والشهيد الذي يعلم.
إذا استحضر المسلم ذلك وتذكر ربه في كل حال فقد حاز المرتبة العالية والدرجة السامية، وهي المشار إليها في الحديث المتفق عليه"قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"إن الذي يتذكر ربه دائمًا فإنه ينبعث للطاعة بكل همة ونشاط، بل وفرح وسرور، وإذا عرضت له الفتن والشهوات فهو أبعد الناس عن الحرمات، لأنه يتذكر الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إن ذكر الله تعالى ومراقبته باعث لكل خير حاجز عن كل شر .. واستدامة المراقبة هي ثمرة العلم بأن الله ناظر إليك سامع قولك مطلع على عملك في كل حين وحال { ... وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا .. (52) } [2] ومن علم ذلك وتيقنه واستذكره واستحضره دعاه ذلك إلى محاسبة نفسه ومسائلتها، والتفتيش في أحواله وأعماله، وموقفه أمام الله العظيم الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. وتتأكد المحاسبة بعد مواسم الطاعة وفي أعقاب انقضاء الليالي والأيام وفي انقضاء الشهور والأعوام، وقد دل على ذلك قول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ (18) } [3] أمر الله العبد أن ينظر ما قدم لغده وذلك يتضمن محاسبة نفسه والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح، والمقصود من هذا النظر ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند مولاه، نظرًا يدقق في الصغير والكبير والسر والعلانية، وقد قال الحق سبحانه { ... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ... (235) } [4] وفي صفة الصفوة"من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه"
(1) سورة البقرة
(2) سورة الأحزاب
(3) سورة الحشر
(4) سورة البقرة