فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 676

وقيل:"المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل"، ويأتي ذلك من تعظيم الله تعالى وتعظيم حرماته، فيمتلئ القلب من عظمة الله عز وجل وهيبته وخشيته مع كمال محبته وتوقيره، وذلك يستدعي القيام بأمره والوقوف عند نهيه، وفي آيات الحج قال الله عز وجل {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ... (30) } [1] قال جماعة من المفسرين:"حرمات الله هاهنا مغاضبه وما نهى عنه وتعظيمها ترك ملابستها"، وقال الليث:"حرمات الله ا لا يحل انتهاكه"وقيل:"الحرمات هي الأمر والنهي"، وقيل:"المناسك وشعائر الحج"، والصواب أن الحرمات تعم هذا كله، حيث إن الحرمات جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وصونه ومراعاته وحفظه، وتعظيمها بتوفيتها حقها وحفظها من الإضاعة، والتحرج من المخالفة فيها، وهذه هي حقيقة التقوى التي وصى الله بها في الحج فقال سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ... } إلى أن قال {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .. (197) } [2] وقد فسرت التقوى بأنها الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل .. إنها كلمات توقف العاقل عند توديع عامه والعامل بعد نسكه وتمامه، لأن يحاسب نفسه على ضوء هذه الإشارات، والتي احتوتها الآيات منبثة بين آيات الحج.

أيها المسلمون .. وإذا أنعم الله تعالى على عبده بهذه النعمة وهي نعمة التقوى والمراقبة والتعظيم والمحاسبة، أورثه الله لذة وسرورًا وغبطة وفرحًا وحبورًا، يجد ذلك سعادة في قلبه وانشراحًا في صدره وأنسًا لا يدركه إلا من ذاق حلاوته .. فإن سرور القلب مع الله وفرحه به وقرة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا، وليس له نظير يقاس به، بل هي حال من أحوال الجنة، حتى قال بعض الصالحين:"إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم".. ولا ريب أن هذا السرور باعث على دوام السير إلى مرضاة الله، وبذل الجهد في طلب جنته والهرب من سخطه، ومن لم يجد هذا السرور ولا في أمن فليتهم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، ففي صحيح مسلم أن النبي

(1) سورة الحج

(2) سورة البقرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت