غاب عنه ويدفع عنه إذا هوجم ويغضب له إذا انتقص .. والوطنية بهذا المفهوم الطبيعي أمرٌ غير مستغرب، وهذا السعادة به وتلك الكآبة لفراقه وهذا الولاء له مشاعر إنسانية لا غبار عليها ولا اعتراض، ولا يجوز أن تكون مفهومًا مشوهًّا يعارض به الولاء للدين؛ فالإسلام لا يغير انتماء الناس إلى أرضهم ولا شعوبهم ولا قبائلهم .. فقد بقي بلال حبشيًّا وصهيب روميًّا وسلمان فارسيًّا ولم يتضارب ذلك مع انتمائهم العظيم للإسلام .. وعندما يفكر الإنسان في طبيعته فسيجد أن له محبةً وولاءً وانتماءً لأسرته وعشيرته وأهل قريته، كما يحس بانتمائه الكبير للأمة المسلمة باتساعها وتلون أعراقها ولسانها .. إنه لا تعارض بين هذه الانتماءات ولا مساومة عليها، بل هي دوائر يحوي بعضها بعضا.
أيها المسلمون: إن من المغالطة الإيهام بالتعارض بين الوطينة بمفهومها الطبيعي وبين الإسلام .. إن تصوير هذا التعارض ليس إلا حيلةً للنيل من الإسلام واستغلالًا للمحبة الغريزية للوطن لإيهام الناس بأن التمسك بتفاصيل الشريعة يعطل بعض مصالح الوطن .. وذلك عبر مصادمة أحكام الشريعة لمطالب الوطنية .. إننا لا نريد أن نقابل غلوًّا بغلو .. يجب ألا نستفز من قِبل من غالى في الوطنية ورفع شعارها ندًّا للإسلام ليجعلنا نتجاهل حقوق الوطن ونتساهل فيه .. يجب ألا نسير بغفلة خلف الشعارات المستوردة والمصطلحات الدخيلة، وإن المفهوم المستورد للوطنية مفهومٌ يرفضه الإسلام، وهو مستحدث في ثقافتنا وحضارتنا، وهو معنى فاسد حين يجعله وثنًا تُسخَّر له كل المبادئ ولو عارضت الإسلام، ويؤدي إلى إقصاء شريعة الله وتقسيم الناس إلى أحزاب وطوائف تتباغض وتتناحر ويكيد بعضها لبعض .. وتفتح الباب واسعًا أمام العدو لتحقيق أهدافه ومراميه:) {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) } [1] ... .
أيها المسلمون .. من مقتضيات الانتماء للوطن: محبته والافتخار به وصيانته والدفاع عنه والنصيحة له والحرص على سلامته واحترام أفراده وتقدير علمائه وطاعة ولاة أمره .. ومن مقتضيات الوطنية: القيام بالواجبات والمسئوليات كلٌّ في موضعه مع الأمانة والصدق
(1) سورة المؤمنون