قال أهل الأدب: (إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحنته إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
المحبة للأوطان والانتماء للأمة والبلدان أمر غريزي وطبيعة طبع الله النفوس عليها، وحين يولد الإنسان في أرض وينشأ فيها فيشرب ماءها ويتنفس هواءها ويحيا بين أهلها فإن فطرته تربطه بها فيحبها ويواليها، ويكفي لجرح مشاعر إنسان أن تشير بأنه لا وطن له .. وقد اقترن حب الأرض بحب النفس في القرآن الكريم .. قال الله - عز وجل: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ ... (66) } [1] ... .. بل ارتبط في موضع آخر بالدين .. قال - تعالى: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [2] ... .
ولما كان الخروج من الوطن قاسيًا على النفس فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم هجرةً في سبيل الله .. وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح: عن عبد الله بن عدي بن حراء قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا على الحزورة فقال:"إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"قال العيني رحمه الله:"ابتلى الله نبيه بفراق الوطن".. ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيبقى مهاجرًا دعا بتحبيب المدينة إليه كما في الصحيحين وفي صحيح البخاري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته (أي أسرع بها) .. قال ابن حجر - رحمه الله:"فيها دلالة على فضل المدينة، وعلى حب الوطن والحنين إليه".
أيها المسلمون: البشر يألفون أرضهم على ما بها حتى ولو كان قبرا مستوحشا، وحب الأوطان غريزةٌ مستوطنةٌ في النفوس تجعل الإنسان يستريح للبقاء فيه ويحن إليه إذا
(1) سورة النساء
(2) سورة الممتحنة