عباد الله: ولما كان دينُ الله عزيزًا وشريعته غالية، فإنه لا يستحق حملَها إلا خيارٌ من خيار، فكانت الابتلاءاتُ والمحن تعرض للمؤمنين والأذيةُ والفتن تحيط بالمصدقين حتى لا يبقى على الدين إلا من يستحقه وليعلم الله الذين صدقوا ..
الفتنة والابتلاء سنة جارية في الأولين والآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [1] ... .
إن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال، بل هو حقيقة ذات تكاليفَ وأمانةٌ ذات أعباء وجهادٌ يحتاج إلى صبر، والله - تعالى- يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكنَّ الابتلاءَ يكشف في عالم الواقع ما هو معلومٌ لله - تعالى - فيحاسب الناس على ما يقع من عملهم؛ فهو فضل من الله وعدل وتربيةٌ للمؤمنين وصقل.
والفتن والابتلاءات أنواعٌ وصور: { ... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ... } [2] ... ، فمنها السراء والضراء، ومنها الفتنة بانتشار المنكرات وغلبة الأهواء، وكثرة الدعاة على أبواب جهنم وكثرة الاختلاف، وخلط الحق والباطل، ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ثم لا يملك النصر لنفسه ولا المنعة، ومن الفتنة أن يعيش المؤمن بدينه كالغريب بين الناس .. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بَدَأَ الإسْلامُ غرِيبًا، وسَيَعُودُ غرِيبًا كَمَا بَدَأ؛ فَطُوْبَى لِلْغُربَاء".. رواه مسلم.
أيها المسلمون: الحديث عن الثبات وقت المحن والصبر في البلاء والفتن حديثٌ موجه إلى عموم المؤمنين من الأخيار والصالحين والدعاة وطلبة العلم والمحتسبين حين يتسرب الوهن والإحباط إلى بعض المسلمين، ويرون تسلط الأعداء والمرجفين، ومن يُشعل فتيل الخلافات ويثير النزاعات ويطرحون الأفكار الغريبة المشتتة ..
(1) سورة العنكبوت
(2) سورة الأنبياء