فهرس الكتاب
والبلية كل البلية في القصد إلى الأخذ بأخف الأقوال في مسائل الخلاف وسؤال من ليس أهلا للفتيا، والله يقول: { ... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43) } [1] ... فبسؤال غيرهم لا تبرأ الذمة ولا يخرج المكلف من التبعة.
إن حدود الله لا تستباح بزلة عالم ولا فتوى متعالم، ومن تتبع الرخص فسق بإجماع العلماء وتحلل من ربقة التكليف، ومن أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله، والبر ما سكنت إليه النفس واطمئن إليه القلب .. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.
أيها المسلمون: إن اللافت للنظر في المشهد العلمي اليوم ورغم وجود بقية من أهل العلم تترسم خطى الأسلاف وتعي ثقل التركة .. إلا أن حمى علم الشريعة غدا مستباحا في كثير من الأحيان حتى دهمه الدهماء واغتاله الغوغاء وتسارع للخوض فيه أنصاف المتعلمين وأرباعهم، واجترأ عليه من لم تمس يده مختصرا فقهيا أو شرحا حديثيا ومن لم يسمع في حياته عن الأحكام التكليفية والوضعية ودلالات الألفاظ على الأحكام ومقاصد الشريعة وموارد الأحكام ومصادرها .. حتى إنك لترى أحدهم يعتمد على حديث منسوخ ويستدل بأثر ضعيف ويتكئ على شبهة أجاب عنها العلماء ..
وأصبحت المسألة الشرعية التي لو عرضت على أبي بكر لجمع لها أهل بدر ولو سئل عنها أئمة العلم لتدافعوها .. أصبحت كثير من المسائل العلمية فريسة لصحفي أو عنوانا جاذبا لحوار فضائي أو فكرة لرسام هزلي، وأصبح عرض كثير من أهل العلم وطلبته كلأً مباحا ومرتعا خصبا للهمز واللمز، واستمرأت هذا الأمر صحف ووسائل إعلام حتى أصبح لا ينكر، وصار يتصدى للعلماء وفتاواهم من لا حظ له في العلم، بل ولا حتى في الديانة ..
ومع قناعتنا بأنه لا كهنونية في الإسلام ولا معصوم إلا سيد الأنام .. فإننا نعتقد في الوقت نفسه أن هذه سابقة خطيرة لا نعلم أن لها مثيلا في عصور الإسلام السالفة.
إن مسائل العلوم الشرعية يجب أن تبحث حسب في أصولها وبين أهلها الفاقهين بها ..
(1) سورة النحل