فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 676

أيها المسلمون:

لقد طال الأمَدُ على الناس بعد الأنبياء، وخبَت في نفوسهم قيمةُ الإنسان وحُرمتُه، فاسترخَصوا الدماء، واستسهَلوا الاعتداء، واحتقَروا الإنسان؛ إما لطمعٍ دنيوي، أو تأوُّلٍ ديني، أو دافعٍ عنصري وقبَلي، أو حِراكٍ سياسي، وجِماعُ ذلك كله: ضعفُ الدين في النفوس وبقايا جاهليةٍ في العقول.

لقد جاء الإسلام يوم جاء والعربُ ترفُلُ في ثيابٍ من الجهل، حُرمة البهيمة عند بعضهم أشد من حُرمة الإنسان، فلأجل ناقة البَسُوس امتدَّت حربٌ بين العرب لعقود، وذهَبَت فيها كثيرٌ من الأرواح، وانتقَضَت جراحٌ وسالَت شِعابٌ من الدماء، وكانت الحربُ بين الحيَّيْن من العرب تقومُ بسبب بيتٍ من الشعر أو كلمة، وقال قائلُهم: وأمرُ الحرب مبدأُه كلام.

وكان إذا قُتِل الشريفُ في قومٍ لم يبرُد دمُه إلا بالقِصاص من عددٍ من قومِ القاتل أو أشرافهم، إلى هذا القدر كان التساهُل في الدماء، واسترخاصُ الجِناية والاعتداء.

وكلما خبَت أنوار العلم في أمة، وتضاءَل الدينُ في نفوس أفرادها؛ كلما اقتبَسوا من تلك الجاهلية شُعَلًا، واستمدُّوا من جهلها جهلًا، إلى أن جاء الإسلام فكرَّم الإنسان، وجعل أول ما جعل معبودَه الله، وخلَّصه من عبادة الشجر والحجر، ثم أسَّس وعظَّم مسألة الدماء؛ فأكَّد القرآنُ الكريمُ شريعةً غابرةً من شرائع بني إسرائيل، فقال الله - عز وجل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (32) } [1] .

لأن الاستهانة بحياة واحدٍ هي استهانةٌ بحياة الناس كلهم، وقتلُ النفس الواحدة هو بمثابة قتل الإنسانية جمعاء، فجعل الواحدَ يُساوي أمةً في حُرمة دمه، بعكس الجاهلية التي جعلت الأمةَ من الناس تُساوي واحدًا، إلا إنه عند الإحياء جعل القرآنُ إحياءَ الواحد يُساوي إحياءَ أمة.

وتوالَت النصوص وتتابَعَت التشريعات تحفظُ للإنسان دمَه، وتحرِمُ رُوحه وحقَّه في الحياة مُسلمًا كان أو كافرًا؛ بل إن أعظم ذنبٍ - وهو الشرك - أجمعَت الأمة على أن لمن اقترَفَه توبة منه - وهو الإسلام والتوحيد -، في حين أن القاتل اختلف أهلُ العلم فيه هل له توبةٌ أو لا؟ إلى هذا الحد بلغ الخطرُ في التعرُّض للإنسان قتلًا كان أو جرحًا، قال رسول الله -

(1) سورة المائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت