فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 676

أيها المسلمون:

وفي ظلِّ التواصُل المعرفيِّ المُنفتِحِ تتلقَّفُ العقولُ الأفكارَ الوافِدَةَ الغريبةَ، وسُرعان ما تَتعايَشُ هذه العقولُ مع هذه الأفكار والرُّؤَى، وليس التعجُّب من وُرودِ الأفكارِ إلى عقولِ الناسِ، ولكن العجبَ هو قَبولُ الناسِ لهذه الأفكارِ الغريبةِ الشاذَّة، واعتناقُها بمُجرَّد تلقِّيها، وهذا يدلُّ على خلَلٍ كبيرٍ في القَنَاعات، وانفِصامٌ بين التلقين والتربية، يجبُ أن نتجاوَزَ مرحلةَ التلقينِ إلى مرحلةِ غرسِ المبادئِ والتربيةِ عليها.

إنه خطرٌ مُقلِقٌ نُواجِهُهُ كلَّ يومٍ، صراعٌ قويٌّ بين المبادئِ والقِيَم وبين الدَّخِيلِ على هذه القِيَم، يكادُ يُزعزِعُ قناعاتِ الناسِ بهذه المبادِئِ بما يملكُ من قوةٍ تأثيريَّةٍ، وبسيطرتهِ على كثيرٍ من المنافِذِ الإعلاميَّةِ، وبها يتسلَّلُ إلى مشاعرِ وأحاسيسِ الناسِ فيعبَثُ فيها كيف يشاءُ، ويقودُها حيثُما أرادَ، مُستغِلاًّ ولعَ الناس بالدنيا، وجهلهَم بحقيقة الأمور، وانبِهارَهم بزَيْفِ الحضارة المادية، وانخِداعَهم بانجِفالِ الناسِ إليها، ناسِينَ أن الأكثريَّةَ ليست مِعيارًا للحُكم على صحةِ المبدأ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } [1] ، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (116) } [2] .

فالجمهرةُ والغَوغائيَّة لا تُغيِّرُ من حقائقِ الأمور، ولا تُصيِّرُ القبيحَ حسنًا، والمبادئُ إنما تستمِدُّ صحَّتَها من ذاتِها، فتوازُنُها وتكامُلُها وتناسُقُها وانسِجامُها مع الفِطرةِ، وعدمُ اعتراضِها أو تصادُمِها مع شريعةِ ربِّها يمنَحُها القيمةَ والاعتِبارِ؛ فهي مبدأٌ بهذا الأساسِ.

والمبادئُ الزائِفةُ ليس لها قيمةٌ حيث بُنِيَت على جُرُفٍ هارٍ؛ إذ تستمِدُّ قيمَتَها من عقولٍ محصورةِ الزمانِ والمكانِ، مُلوَّثةٍ بالأهواء، مُشوَّهةٍ في الاعتِقادِ.

(1) سورة يوسف

(2) سورة الأنعام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت