لم يزَل في ثيابنا عبَقٌ من شَذَى شهرنا لم يخِف، ولم يزَل في نفوسِنا طراوةٌ من تراتيل القرآن لم تجِف، ولم تزَل عيونُنا ندِيَّةً على وداعِ رمضان، ومن ذا يلومُها أن تجِف، وما ذاك إلا لما افتقدناه من لذَّة الطاعات، وحلاوة القُرُبات المُقرِّبات، وما جافانا عنه مركبُ الزمان من العبادات الجالِيَة لصدى النفوس ورانِ القلوبِ.
ولو صابرَ الإنسانُ نفسَه، وغالبَ هواه، وواصلَ نوافل العبادات التي اعتادَها في شهر رمضان؛ من صيامٍ، وقيام ليلٍ، وقراءةٍ للقرآن، وصدقةٍ، وخيرٍ لانقلَبَت حياتُه إلى موسمٍ للخير دائم، وتقلَّبَت نفسُه في رياضٍ من القُرُبات مُتصل، وتمثَّل قولَ الله - عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } [1] .
أيها المسلمون:
الأرضُ ميراثُ الله لعباده يختارون منازِلَهم من الجنةِ بقدرِ حرثِهم للآخرة، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ (74) } [2] ... والمؤمنُ الحقُّ سائرٌ إلى ربه يسعى ويحفِد، لا ينِي حتى يكون مُنتهاه الجنة، ولا يقِفُ حتى يُدرِكَه الموتُ، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [3] .
ولئن انقضَى شهرُ رمضان - وهو شهرُ مُضاعفَة الأجور - فإن اللهَ تعالى هو ربُّ كل الشهور، وفي الحياة آفاقٌ واسعةٌ للعمل الصالح، وأجورٌ تُضاعَفُ هي - واللهِ - المتجَرُ الرابح، وفي شرع الله وهديِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - فِجاجٌ تُوصِلُ إلى الله، ودُروبٌ تُؤدِّي وتهدِي لمرضاته، وأعمالٌ تستجلِبُ مراضِيَ الله ورحماته، ويُكافِئُ عليها بجنَّته. ولكن أين المُشمِّرون؟!
قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما: أخذ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبِي فقال:"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ". وكان ابنُ عمر يقول:"إذا أمسيتَ فلا"
(1) سورة الأنعام
(2) سورة الزمر
(3) سورة الحجر