فهرس الكتاب
والبعيدَ، ثم اعتبِروا يا أولي الأبصار. لقد طالَ التِّيهُ الذي تعيشُه الأمة، وامتدَّت مأساتُها، وزادَ قتامُ ليلها.
ولقد رأينا في المائة عامٍ السَّالِفة سرعةَ نهوضِ أممٍ بعد كبَواتِها، وتتابُع عافيتها بعد نكَبَاتها، وقد لاقَت حروبًا وفتنًا، وطواعينًا ومِحنًا. وليس هذا إعجابًا بالغرب؛ إنما هو تعجُّبٌ من حال الشَّرق الذي يُفتنُ في كل شهرٍ مرةً أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون، وقد عابَ الله قومًا يُفتَنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون.
إن جمعَ الدنيا وعتادِها ليس سبيلًا خالِصًا للعزِّ والكرامة، فقد يستطيعُ العربُ جمعَ الدنيا من أي مكانٍ، لكنَّهم لو أداروا ظهورَهم لتعاليم دينِهم، ثم جمَعوا سِلاحَ المشرق والمغرب فلن يُدرِكوا به إلا ذُلَّ الدهر وخذلانَ الأبَد.
فليس أمام المُسلمين إلا طريقٌ واحدٌ لعزِّهم، وهو العودةُ إلى الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وترسُّمُ خُطَى السَّلَف الأول في صِدقِ الإيمان وحُسن العمل، وطريقُ الشَّرف والكرامة أساسُه أن يعرِفَ المُسلمون بمَ كانوا أمة، وكيف صار لهم في التاريخ وجود. علينا مُراجعة أنفُسنا وحالِنا أولًا.
وإن الأمةَ لا تُصابُ من الخارج إلا بعد أن تُصابَ من الداخل، وليس لنا أن نُسيءَ وننتظر من الله الإحسان، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) } [1] ، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } [2] .
إن الإنسانَ الصالحَ لعمارة الأرض ووراثتِها ليس هو الذكيَّ فحسب؛ بل أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ، وضميرٍ حيٍّ، وتقوَى تكبحُ جماحَ الهوى والنَّزَوات، يُغذِّي ذلك نورُ التوحيد والعبادات، والعالَمُ كلُّه بحاجةٍ إلى هذه القيادة الروحيَّة الفاضِلة.
لقد وجدَ العالَمُ نفسَه وهو في القرن الحادي والعشرين في جوٍّ من الرَّهَق والاضطِراب، والقلق والانهِيار، فحجبَ الليلُ النهارَ، وهجَمَت جنودُ الهوَى من كلِّ جانبٍ، وهُزِمَت الفضيلةُ والأخلاقُ، وأصبحَ الإنسانُ ينحرُ أخاه الإنسانَ في سبيل الجشَع أو الخُيلاء،
(2) سورة الأنبياء