في كل العُصور، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه وأمَّته ما هلَّت أهِلَّةٌ واستدارَت بُدور.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى، حاسِبوا أنفسَكم قبل موقف الحساب، وبيِّضُوا صحائِفَكم قبل أن تُعلَّق في الرِّقاب، وتشهَد عليكم الجوارِحُ والبِقاع؛ فإن عليكم كِرامًا كاتبين، والله تعالى أسرعُ الحاسِبين، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) } [1] .
أيها المسلمون:
يطوفُ بنا طائِفُ العام بأيامِه وليالِيه، وإشراقاتِه وأماسِيه، وانتِصاراته ومآسِيه، وحسناتِه ومساوِيه، وقد علِقَ بالنفس منها أوزارٌ وانكِساراتٌ، وفُتورٌ وانتِكاساتٌ، تُثقِلُ العبدَ في سيره إلى الله، ويستطيلُ لأجلها السبيلَ إلى موعود الله؛ بل ربما استوحشَ الطريقَ وملَّ الرَّفيقَ، فرَتابةُ الأيام تُثقِلُه، وينُوءُ بالآلام والآمال كاهِلُه.
فكان لا بُدَّ للنفس في هذا الهَجير من ظلٍّ تتفيَّؤُه، وفي هذا البحر من مرفَأٍ ترسُو عليه؛ لتستريحَ النفسُ وتتزوَّد؛ فإن السفرَ طويلٌ، والزَّادَ قليلٌ، والعقبةَ كؤُود.
فمنَحَ الله الأكرمُ عبادَه شهرًا كريمًا، وموسمًا عظيمًا، يتزوَّدُ فيه المُسلِمُ ويقوَى، ويترقَّى في مدارِج التقوَى، شهرٌ يبُلُّ عطشَ النفوس ويُداوِي جِراحَها، ويَفيضُ على الأرواحِ من بركاتِه ما يكونُ به فَلاحُها. شهرٌ ينتصِرُ العبدُ فيه على شهوتِه وشيطانِه، شهرُ فيضِ الرَّحَمات، وموسِم إقالَة العثَرَات.
وقد دارَت الليالِي والأيام، وجرَت سِراعًا أشهرُ العام، وها هو شهرُ شعبان يمضِي ويتصرَّم، وأقبلَ علينا شهرُ رمضان المُعظَّم، قد لمَعَت بشائِرُه وعلاماتُه، وطلعَت طوارِعُه وأماراتُه، وعمَّا قليلٍ يحِلُّ بالرِّباع. فتلقَّوه بما يليقُ من التعظيم والإجلال، والعزم على الطاعة والعبادات.
(1) سورة البقرة