فهرس الكتاب
كم حنَّ إليه العُبَّادُ وشُغِفَ به الأتقِياء؟ كم أمضَّهُم شوقُ انتِظاره، وتسامَت نفوسُهم في ليالِيه وأسحارِه؟ كم وجَدوا في أسحارِه من أسرار، وأحسُّوا فيه القُربَ من الواحِد القهَّار؟ وكم ذاقُوا فيه للإيمان من حلاوة؟ وعاشُوا القرآن الكريم سماعًا وتلاوة؟
وإن من نعَم الله: أن مَنَّ علينا بهذه المواسِم لتزكِيَة النفوس وطهارتِها، وتنقِيَتها من الذُّنوب والآثام، وترقِيَتها في سُلَّم المعالِي والفضائِل، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [1] .
والتَّقوى مشاعِرُ من الخشية يجِدُها الصائِمُ في نفسِه، وتنعكِسُ عليه إشراقًا لرُوحه، وزكاءً لنفسِه، واستِقامةً في سلوكه.
رمضان ربيعُ قلوب المؤمنين، وسِراجُ الصالحين، وأُنسُ المتقين، وبُشرى للعابِدين. قد استكملَ الشهرُ أنواعَ الكمال، وتجلَّى بحُلى الجمال، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (185) } [2] .
نهارُه صيام، وليلُه قيام، شِعارُه القرآن، ودِثارُه البرُّ والصدقةُ والإحسان، الدعاءُ فيه مُجابٌ ومسموع، والعملُ الصالح مرفوع، وفي كل ليلةٍ عُتقاءُ من النار؛ فأين التوَّابُون؟!
أما ثوابُ الصائِمين فذاك أمرٌ مرَدُّه إلى الكريم؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ , وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصِيَامِهِ"؛ رواه البخاري ومسلم."
وفي روايةٍ عندهما:"يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي".
وفي"صحيح مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ".
(1) سورة البقرة
(2) سورة البقرة