فهرس الكتاب
فاتقوا الله تعالى - أيها الناس -؛ فالتقوى خيرُ زادٍ وخيرُ لباس، وهي وصيةُ الله المُكرَّرة لحُجَّاج بيتِه العتيق: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) } [1] .
أيها المؤمنون:
تعيشُ الأمةُ اليوم موسِمًا عظيمًا من أيام الله تعالى، ورُكنًا من أركان الإسلام العِظام. موسمٌ تُغفرُ فيه الذنوبُ والخطايا، وتُقالُ فيه العثَرَات، وتُقبَلُ الدعوات.
موسمُ الحجِّ إلى بيت الله العتيق، شَعارُ الوحدة والتوحيد، وموسِمُ إعلان العهود والمواثِيق، وحِفظ الحقوق والكرامات، وحقن الدماء وعصمة النفوس والأموال. إنه موسِمُ الرُّوح، وإنها أيامُ الله.
وقعُ خُطَى الحَجيج في دُروبِ المشاعِر، واتحادُ وصفِهم، وبياضُ لُبسِهم، ووَجيفُ قلوبِهم وهم يُلبُّون لله:"لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريكَ لك".
فيا لله! كيف تجِدُ أعينُهم فُسحةً من الدمع لتُبصِرَ دربَها؟ وكيف تحمِلُهم أقدامُهم قد انقطعَت قلوبُهم إلا من رحمة الله، وخلَت نفوسُهم إلا من الشوقِ له؟
تركُوا الدنيا بضَجِيجِها وزُخرُفها وخلافاتِها وراء ظُهورِهم وكانوا وفدَ الله. أتَوا ليشهَدوا منافِعَ لهم ويذكُروا اسمَ الله على ما رزقَهم، وله يشكُرون.
وراءَ كل حاجٍّ منهم أهلٌ وقرَابات حملَت نفوسُهم من الشوقِ أضعافَ ما حمَل، وبقُوا يُتابِعون أخبارَ الحَجيج واللَّهفَاتُ تُسابِقُ العبَرَات، حبَسَتهم أعذارُهم عن اللَّحاقِ بالرَّكب، يُردِّدون مع الحادِي قولَه:
يا راحِلين إلى البيت العتيقِ لقد
(1) سورة البقرة