الحمد لله حمدًا دائمًا يتوالى، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه وأستغفره؛ إخباتًا له وإجلالًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتَّابعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد؛ أيها المسلمون:
ففي ختام هذه الآية العظيمة - ذَكَرَ الله تعالى خَلْقًا من أعظم مخلوقاته؛ تنبيهًا لعظمته وجلاله:
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... } أي: شمل وأحاط كرسيُّه - والكرسي: هو موضع قَدَمَي الربِّ جلََّ وَعَلا - وهو بين يَدَي العرش كالمقدمة له، كما صحَّت بذلك النُّقُول"."
قال القاضي:"والذي تقتضيه الأحاديث: أنَّ الكُرسي مخلوقٌ عظيمٌ بين يَدَي العرش، والعرش أعظم منه".
وقد أخرج البَيهَقي وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح، أنَّ النَّبي - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - قال:"ِ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ".
إنَّ في ذلكَ دليلًا على عظمة الأكوان واتِّساعها، وأنَّ الكرسي قد وَسِعَ السماوات والأرض، وأنه أعظم خَلْقًا منها، فكيف بالله خالِقها والمتصرِّف فيها - جلَّ في علاه؟!!
ومع كل هذه العظمة فإنَّه:
{وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ... } : أي: لا يُثْقِلُه ولا يُعْجِزُه، والأَوْد: هو الجهد والمشقَّة؛ لكنه الله تعالى لا يثقله ذلك ولا يشقُّ عليه حفظ هذه العوالم الهائلة، ولا يثقله حفظ السماوات والأرض ومَنْ فيها، كلُّ شيءٍ حقيرٌ بين يديه، متواضعٌ ذليلٌ بالنسبة إليه، كل شيءٍ محتاجٌ إليه.
ومما يشمله الحفظ: حفظه لجميع خلقه بهدايتهم، وتيسيرهم لمصالحهم وأمور معاشهم، ودفع ما يضرهم، فهو الذي يحفظ جميع خَلْقِه بنِعَمه، ويخصّ عباده الصالحين بحفظٍ خاصٍّ، فيدفع عنهم ما يضرهم في دينهم ودنياهم.
وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ النَّبي - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - قال له:""