فهرس الكتاب
5 -ولا يَخفَى على اللهِ شَيءٌ مِنَ الأشياء، في السَّماواتِ والأرض، مهما دقَّتْ وصَغُرت، وعِلمهُ بالماضي والحاضرِ والمستَقبلِ شامِلٌ مُطلَق.
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (آل عمران:6)
6 -هوَ الذي يَخلقُكمْ في أرحامِ أمَّهاتِكم كما يَشاء، مِنْ ذكرٍ وأنثَى، وحَسَنٍ وقَبيح، وتامٍّ وناقِص، ومِيْزةِ كلِّ واحدٍ وخصائصِه، بمشِيئتهِ وإرادتهِ النافِذَة. فهوَ وحدَهُ الخالقُ المُصَوِّر، لا يُشارِكُهُ في أمرهِ أحد، فهوَ وحدَهُ المستحِقُّ للعبادة، لهُ العزَّةُ والحِكمة، والأمرُ والتَّدبير.
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} (آل عمران:7)
7 -هوَ الذي أنزلَ عليكَ هذا القُرآنَ العَظيم، فيهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ واضِحاتٌ يَعرِفُ مَعناها الناس، لا اشتباهَ في مَعناها ودَلالتِها، وفي بعضهِ الآخَرِ آياتٌ مُتشابِهاتٌ غيرُ واضِحات، فمنْ كانَ في قَلبهِ شَكٌّ وانحرافٌ وضَلال، فإنَّهمْ يَتركونَ الأصولَ الواضِحةَ المُحكَمةَ الدقيقَة، ويَجرُونَ وراءَ ما تَشابهَ مِنَ الآيات، وقَصدُهمْ مِنْ ذلك إحداثُ بَلبَلةٍ، وإثارةُ خِلاف، وإيهامُ أتباعِهمْ بأنَّهمْ على حقّ، وذلكَ بإنزالِ جُزءٍ ممّا تَدلُّ عليهِ هذهِ الآياتُ على معنىً أعمَّ، وتكبيرهِ بما يُناسبُ ضلالَهم وعقيدتَهم الفاسِدة. والحالُ أنَّ تأويلَ الآياتِ المتشابهاتِ وتفسيرَها الحقيقيَّ مخصوصٌ باللهِ تعالى.
والذينَ وفَّقهمُ اللهُ مِنْ عبادهِ الراسخينَ في العلم، المُتثبِّتينَ المُتمكِّنين، يَقولون: آمنّا بالمتشابِهِ أنَّهُ هوَ والمُحكَمُ مِنْ عندِ ربِّنا، لا مُخالفةَ بينهما، كلُّ واحدٍ منهما يُصَدِّقُ الآخَرَ ويَشهَدُ له، وأنَّ معناهُ الحقَّ هوَ على مرادِهِ تعالى.
ويجوزُ أنْ يكونَ في القُرآنِ تأويلٌ استأثرَ اللهُ بعلمهِ ولم يُطْلِعْ عليهِ أحدًا مِنْ خلقه، كما استأثرَ بعلمِ الساعةِ وغيرِها. والخَلْقُ مُتَعبِّدونَ في المتشابِهِ بالإيمانِ به، وفي المُحكَمِ بالإيمانِ بهِ والعمَل. أفادَهُ البغَويّ.
وما يَذكرُ هذا حقَّ التذكُّر، ولا يتَّعِظُ بما في القُرآن، ولا يَفهَمُ ويَتدبَّرُ معانيَ الآياتِ على وجهِها، إلاّ الألبّاءُ والأسوياءُ مِنْ ذَوي العقولِ الراجحةِ المستَقيمَة، الذينَ لا يَزيغُونَ ولا يتَّبعونَ الأهواء.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} [آل عمران:8]
8 -ويَقولُ هؤلاءِ الراسخونَ في العلم، ويقولُ مَعهمْ كلُّ مؤمن: اللهمَّ إنّا نسألُكَ ألاّ تُميلَ قلوبَنا عنِ الحقِّ والهُدَى بعدَ أنْ أقمتَها عليه، ولا تَجعَلْنا مثلَ الذينَ في قُلوبِهمْ زَيغٌ فيتَّبعونَ ما تشابهَ منَ القُرآنِ