{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} [آل عمران:76]
76 -نعم، إنَّ أهلَ الوفاءِ بالعَهدِ والتُّقَى همُ الذينَ يُحِبُّهمُ اللهُ تَعالى، لا غَيرُهم. ولو وفَى أهلُ الكتابِ بعُهودِهمْ وتَركوا الخِيانةَ في أمرِ دِينِهم، فإنَّهمْ يَكتِسبونَ بذلكَ محبَّةَ الله، وإذا وَفَوا بالعُهود، فإنَّ أبرزَها وآكدَها هوَ ما أخذَ اللهُ عَليهمْ في كتابِهمْ منَ الإيمانِ بمحمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم. وتَقواهُمْ هوَ تَركُ الخِيانة، وعَدمُ الكذِبِ على الله، وتجنُّبُ تحريفِ التوراة.
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:77]
77 -إنَّ الذينَ يَستَبدِلونَ بما عَهِدَ اللهُ إليهم، منَ الإيمانِ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم، وبما حَلَفوا بهِ منْ قولِهم:"واللهِ لنُؤمِنَنَّ بهِ ولنَنْصُرَنَّه"، يَستبدلونَ بهذا أثمانًا زَهيدةً مِنْ حُطامِ الدنيا وعُروضِها الزائلة، فيَخونونَ العهدَ مُقابلَ ذلكَ ويَغْدِرونَ بالأمانة، فهؤلاءِ لا نَصيبَ لهمْ في نَعيمِ الآخِرَة، ولا يكلِّمُهمُ اللهُ بشَيءٍ يَسُرُّهم، ولا يَنظرُ إليهمْ نظرَ رَحمةٍ يومَ الحِساب، ولا يُثني عَليهمْ، ولا يُطَهِّرُهمْ مِنْ آثامِهمْ وذُنوبِهمُ المتراكِمة، بلْ يُعْرِضُ عنهمْ ويَسْخَطُ عليهمْ ويَقْذِفُ بهمْ إلى النارِ ليُعَذَّبوا فيها.
والآيةُ عامَّةٌ في هذا وغَيرِه، فقدْ وردَ في الصحيحِ أنَّها نزلتْ فيمَنْ يَحلِفُ باللهِ على شيءٍ ولا يُبالي، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ يَستَحِقُّ بها مالًا وهوَ فيها فاجِر، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غَضبان". فأنزلَ اللهُ تصديقَ ذلك، كما رواهُ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه.
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:78]
78 -وإنَّ هناكَ جماعةً مِنْ أهلِ الكتاب، وكانوا يهودًا، يَميلونَ عنِ المُنْزَلِ إلى المحرَّفِ منَ الكتاب، بتَحريفِ اللَّفظَةِ في حرَكاتِ الإعرابِ تَحريفًا يَتغيَّرُ بهِ المَعنَى، إمعانًا في التَّزييف، أو تأويلًا للنصوصِ ولَيِّها؛ لتُوافِقَ أهواءَهم، وليوهِمُوا الجَهلةَ أنَّهُ حُكمُ اللهِ في كتابِه، وليسَ هوَ منْ عندِ الله، بلْ همْ كاذِبونَ مُفْتَرون، وهمْ يَعرِفونَ ذلكَ ويَتعمَّدونَه.
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:79]