42 -ومِنْ هؤلاءِ المشرِكينَ مَنْ يَستَمِعُ إلى كلامِكَ الحسَن، وإلى القُرآنِ الكريم، ولكنَّهمْ لا يَتدبَّرونَه، بلْ لا يُصْغُونَ إليهِ حتَّى يَستَفيدوا منه، فكأنَّهمْ لم يَسمَعوه، وعَطَّلوا بذلكَ حاسَّةَ السَّمعِ عندَهم، وأنتَ لا تَقدِرُ على إسماعِ الأصمّ، ولو ضمَّ إلى سمعهِ عقلَهُ الذي لا يَعقِلُ به، فقدْ أُصيبَ في عَقلِه، وفي جَميعِ حَواسِّه.
{وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ} (يونس: 43)
43 -ومِن هؤلاءِ مَنْ يَنظُرُ إليكَ وهوَ يَرَى في سَمْتِكَ وخُلُقِكَ دَلائلَ النبوَّة، ولكنَّها أبصارٌ ظاهِرةٌ ليسَ وراءَها عِظةٌ وعِبرة، ولا استِبصارٌ في القَلب، أفأنتَ تُبصِّرُ العُميَ ولو ضَمُّوا إلى عدَمِ البَصرِ عدَمَ البَصيرة؟
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس: 44)
44 -إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ النَّاس، فقدْ خَلقَهمْ على الفِطرة، وزوَّدَهمْ بقُلوبٍ وعُقولٍ وحواسَّ يَتمكَّنونَ بها منَ الإيمانِ إذا لم يَطمِسوها بالعِنادِ والخِصام، إنْ شاءَ الله، وبعثَ إليهمُ الرسُلَ ليُبيِّنوا لهمْ ما يأتونَ وما يَتركون، وأرسَلَ معهمُ المعجِزاتِ حتَّى لا يَبقَى عندَهمْ شكٌّ في ذلك، ولكنَّهمْ لا يَستَعمِلونَ مَدارِكَهمْ لِما خُلِقَتْ له، ويُعرِضونَ عنْ قَبولِ الحقّ، ويُكَذِّبونَ الرسُل، فيَظلِمونَ أنفُسَهمْ بالكفرِ والمَعصِية، ويُعَرِّضونَها بذلكَ للعَذابِ يومَ القيامة، فلا يَلومُنَّ إلاّ أنفُسَهم.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (يونس: 45)
45 -وذَكِّرْهمْ وأنذِرْهمْ أيُّها النبيّ، فإنَّهمْ يومَ يُجمَعونَ لموقفِ الحِساب، كأنَّهمْ لم يَبقَوا في الدُّنيا مِقدارَ سَاعةٍ مِنَ النَّهار، قضَوها في التعارُفِ بينَ بعضِهمُ البعض! إنَّها حياةٌ قَصيرَةٌ حقَّا، كانَ يَجِبُ أنْ تُقضَى في الطَّاعةِ والصَّلاح، ولكنَّهمْ كفَروا وكذَّبوا، فخَسِروا أنفُسَهمْ بعَدَمِ استِعدادِهمْ لهذا اليَومِ العَظيم، يومِ الجزاءِ والمُحاسَبةِ على الأعمال، وما كانوا مُهتَدِينَ لسُبُلِ النَّجاةِ والفَلاح، بلِ انحرَفوا،