فهرس الكتاب

الصفحة 1054 من 5301

الفصل الرابع

ازدهار الشعر

كانت البادية في هذا العصر لا تزال تمد الحاضرة بكثير من الشعراء ذوى السليقة العربية السليمة من مثل أبى البيداء وابن الدّمينة وابن ميّادة وأبى حيّة النّميرىّ وأبى ضمضم الكلابى وابن عمه أبى زياد والعمانى وشبيل بن عزرة الضّبعىّ وأبى العميشل وعمارة بن عقيل حفيد جرير. وقد تحول كثير من هؤلاء الشعراء إلى معلمين يعلمون الناشئة اللغة ورواية الشعر القديم [1] . وكان يقابلهم في المدن شعراء لم ينشأوا في البادية، ولكن السليقة العربية تحولت إليهم وتمثلت في دخائلهم، حتى أصبحوا لا يقلون عن شعراء البادية فصاحة وبيانا.

ولعلماء اللغة الذين تحدثنا عنهم في الفصل السابق الفضل في تحول هذه السليقة إلى شعراء الحضر، فقد جمعوا لهم اللغة والشعر الجاهلى والإسلامى، ووضعوا لهم مقاييسهما وضعا دقيقا، وظلوا طوال العصر يبعثون فيهم الإيمان بأن الشعر القديم هو القدوة المثلى. وكان من هؤلاء اللغويين شعراء بارعون بادروا إلى الاحتذاء على هذه القدوة، نذكر من بينهم حمادا الرواية والخليل بن أحمد وخلفا الأحمر والأصمعى.

ولم يغرض هؤلاء اللغويون على شعراء الحاضرة نماذج الشعر القديم السهلة فحسب، بل لقد كان همهم الأول أن يعرضوا عليهم نماذجه العويصة المليئة بالحوشىّ والألفاظ الغريبة، ومضوا فجعلوها مدار إملاءاتهم ومحاضراتهم حتى ليقول الجاحظ: «لم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إغراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج [2] » .

ومعروف أن أهم مجموعتين للشعر القديم ألّفتا في العصر هما المفضليات للمفضّل

(1) الفهرست لابن النديم (طبعة القاهرة) ص 65.

(2) البيان والتبيين 4/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت