فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 5301

قاتله، وهو يقول: (وعجلت إليك ربّ لترضى) [1] وكأنما وهبوا أنفسهم للموت. ولهم في ذلك أخبار وأشعار كثيرة يستصغرون فيها الحياة ويهوّنون من شأنها. من ذلك أن رجلا منهم قدّمه الحجاج إلى القتل، فأنشد [2] :

ما رغبة النفس في الحياة وإن … عاشت قليلا فالموت لاحقها

وأيقنت أنها تعود كما … كان براها بالأمس خالقها [3]

يوشك من فرّ من منيّته … في بعض غرّاته يوافقها

من لم يمت عبطة يمت هرما … والموت كأس والمرء ذائقها [4]

وعلى هذه الشاكلة كان الموت أمنية كل خارجى، الموت قعصا بالرماح، حتى يفوز بالاستشهاد وبما عند الله من الثواب، يقول يزيد بن حبناء وكان من الأزارقة:

أبيت وسربالى دلاص حصينة … ومغفرها والسيف فوق الحيازم [5]

أريد ثواب الله يوما بطعنة … غموس كشدق العنبرىّ بن سالم [6]

فهم يطلبون الموت ويستعذبونه ابتغاء ثواب الله والفوز برضوانه وجناته، وإنهم يستعجلونه تعجلا، يقول قطرى بن الفجاءة [7] :

إلى كم تعارينى السيوف ولا أرى … معاراتها تدعو إلىّ حماميا [8]

أغارع عن دار الخلود ولا أرى … بقاء على حال لمن ليس باقيا

ولو قرّب الموت القراع لقد أنى … لموتى أن يدنو لطول قراعيا [9]

(1) المبرد ص 564.

(2) المبرد ص 43.

(3) براها: خلقها.

(4) عبطة: شابا.

(5) الدلاص: الدرع الملساء اللينة. المغفر: زرد يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح.

(6) غموس: واسعة. العنبرى بن سالم: رجل من الأزارقة كان يقال له الأشدق لسعة فمه.

(7) انظر في ترجمة قطرى وأشعاره وفيات الأعيان لابن خلكان والملل والنحل ص 90 وأمالى المرتضى 1/ 637 وفهارس الكامل للمبرد والطبرى والبيان والتبيين.

(8) تعارينى: تطلبنى عارية. الحمام: الموت.

(9) القراع: مضاربة السيوف في الحرب. أنى: آن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت