قاتله، وهو يقول: (وعجلت إليك ربّ لترضى) [1] وكأنما وهبوا أنفسهم للموت. ولهم في ذلك أخبار وأشعار كثيرة يستصغرون فيها الحياة ويهوّنون من شأنها. من ذلك أن رجلا منهم قدّمه الحجاج إلى القتل، فأنشد [2] :
ما رغبة النفس في الحياة وإن … عاشت قليلا فالموت لاحقها
وأيقنت أنها تعود كما … كان براها بالأمس خالقها [3]
يوشك من فرّ من منيّته … في بعض غرّاته يوافقها
من لم يمت عبطة يمت هرما … والموت كأس والمرء ذائقها [4]
وعلى هذه الشاكلة كان الموت أمنية كل خارجى، الموت قعصا بالرماح، حتى يفوز بالاستشهاد وبما عند الله من الثواب، يقول يزيد بن حبناء وكان من الأزارقة:
أبيت وسربالى دلاص حصينة … ومغفرها والسيف فوق الحيازم [5]
أريد ثواب الله يوما بطعنة … غموس كشدق العنبرىّ بن سالم [6]
فهم يطلبون الموت ويستعذبونه ابتغاء ثواب الله والفوز برضوانه وجناته، وإنهم يستعجلونه تعجلا، يقول قطرى بن الفجاءة [7] :
إلى كم تعارينى السيوف ولا أرى … معاراتها تدعو إلىّ حماميا [8]
أغارع عن دار الخلود ولا أرى … بقاء على حال لمن ليس باقيا
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى … لموتى أن يدنو لطول قراعيا [9]
(1) المبرد ص 564.
(2) المبرد ص 43.
(3) براها: خلقها.
(4) عبطة: شابا.
(5) الدلاص: الدرع الملساء اللينة. المغفر: زرد يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح.
(6) غموس: واسعة. العنبرى بن سالم: رجل من الأزارقة كان يقال له الأشدق لسعة فمه.
(7) انظر في ترجمة قطرى وأشعاره وفيات الأعيان لابن خلكان والملل والنحل ص 90 وأمالى المرتضى 1/ 637 وفهارس الكامل للمبرد والطبرى والبيان والتبيين.
(8) تعارينى: تطلبنى عارية. الحمام: الموت.
(9) القراع: مضاربة السيوف في الحرب. أنى: آن.