إن بلاد العرب كانت تطلق على الجزيرة العربية فقط، وعندما امتد نور الإسلام في الأرض وافتتح جند الله عزوجل من المسلمين العرب نصف الأرض في نصف قرن، كان لا بد للشعوب التي دخلت في الإسلام أن تتعلم العربية حتى تؤدي شعائر عبادتها، فلا بد من تعلم القرآن الكريم لأن صلاتهم لا تجوز إلا بتلاوة القرآن باللسان العربي المبين، ولا بد من حفظ الأذكار والأدعية بالعربية ولا بد من معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فأصبحت العربية جزء أساسيا من حياة الشعوب الإسلامية فأخذت تتعرب تدريجيا، فكل مسلم: عربي بلغة قرآنه، وعربي: بنبيه صلى الله عليه وسلم العربي، وقبلته التي يتوجه إليها كل يوم خمس مرات واقعة في بلاد العرب، وحجه الذي يسعى إليه من استطاع سبيلا في جزير العرب.
وبعد أن عربت الدواوين في زمن عبد الملك بن مروان (56 - 68 هـ) ونقلت إلى أيدي المسلمين بعد أن كانت باللغة الفهلوية (الفارسية القديمة في العراق) وبالرومية في الشام وبالقبطية (المصرية القديمة في العصر المسيحي) (4) . فأصبحت العربية لغة الدولة والشعوب، وبازدياد الإختلاط والإمتزاج بين الفاتحين العرب والشعوب المفتوحة ازداد التعريب وتسابق المسلمون إلى تعلم العربية خاصة الموالي الذين كانوا يعيشون في بلاد العرب، ونبغ هؤلاء وفاقوا العرب الأصليين باللغة فاستلموا القضاء ونقلوا الحديث والتفسير، وحسبك من هذه الأسماء: طاووس ومكحول وعكرمة ومجاهد من تلاميذ ابن عباس الذين نقلوا لنا دين الله.
وقد سأل عمر بن الخطاب والي مكة من أنبت بعدك على مكة فقال ابن ابزي رجل من موالينا فقال: أمرت عليهم مولى؟ فقال: إنه أعلمنا. فقال عمر رضي الله عنه: (لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) (5) .