فهرس الكتاب
إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُمَّ في مخالفة الأمر).
وأما مفهوم هذا السجود ففيه أقوال:
الأول: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته.
الثاني: كان هذا سجودَ تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] .
الثالث: وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها، كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] .
قلت: أما الثالث فبعيد ولا دليل عليه، وأما الثاني فهو كان مشروعًا في الأمم الماضية ثم نسخ في ملتنا، ويبقى التأويل الأول هو الأنسب للسياق. واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (والسجدة لآدم إكرامًا وتعظيمًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله عز وجل، لأنها امتثال لأمره تعالى) .
وقوله: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} :
قال قتادة: (حَسَدَ عدوُّ الله إبليسُ آدمَ عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني) .
وإبليس"إفعيل"من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. والعرب تقول: أبْلسَ فلان من رحمة الله أي يئِس والعياذ بالله.
قال الرازي: (ومنه سمي"إبليس"وكان اسمه عَزَازيل [1] . و"الإبلاس"أيضًا الانكسار والحُزْن يقال: أبْلس فلان إذا سكت غمًا) .
قال ابن عباس: (إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته) .
وقال السدي: (كان اسم إبليس"الحارث"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا) .
وفي التنزيل: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} يعني: آيسون من الخير، نادمون حزنًا.
(1) قلت: لا دليل على ذلك يحتج به.