فهرس الكتاب

الصفحة 2253 من 5446

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإن ربك، يا محمد، لذو سِتر على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس، فتاركٌ فضيحته بها في موقف القيامة، وصافحٌ له عن عقابه عليها عاجلًا وآجلًا، {عَلَى ظُلْمِهِمْ} ، يقول: على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذني لهم بفعله، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} ، لمن هلك مُصِرًّا على معاصيه في القيامة، إن لم يُعَجِّل له ذلك في الدنيا، أو يجمعهما له في الدنيا والآخرة) .

والآية تهديد ووعيد للكفار والمشركين إن لم يتوبوا من ظلمهم ويرجعوا إلى طاعة ربهم وعبادته. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل: [يا عبادي: إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم] [1] .

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: [إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنَفَهُ[2] ويَسْتُرُه فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول نعم أي ربّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ] [3] .

قلت: وقد قرن سبحانه في كثير من الآيات مغفرته وغضبه، وعفوه وسخطه، ليعتدل الرجاء والخوف في حياة عباده، وليتنبه لذلك أولو الألباب. ومن ذلك:

1 -قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49, 50] .

2 -وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 167] .

وفي مسند البزار بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمّنْتُه يوم أجمع عبادي] [4] .

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 17) ، وأحمد في المسند (5/ 160) .

(2) أي: حفظه وستره.

(3) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2441) ، ومسلم (2768) ، وأخرجه أحمد (2/ 74) .

(4) حديث حسن. أخرجه البزار كما في"مجمع الزوائد" (10/ 308) ، وكذلك أبو نعيم في"الحلية" (6/ 98) . وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (4208) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت