فهرس الكتاب

الصفحة 2628 من 5446

إرشادٌ من الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأمته من باب الأولى - الأدب فيما يُعزم عليه من الفعل في المستقبل، وذلك برد المشيئة دومًا إلى علام الغيوب تبارك وتعالى. قال القرطبي: (فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبًا، وإذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محقّقًا للمخبر عنه) .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال سليمانُ بن داودَ عليهما السلام: لأطوفَنَّ الليلة بمئة امرأة، تَلِدُ كُلُّ امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلم يقل ونسِيَ، فأطافَ بِهنَّ، ولم تَلِدْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ نِصْفَ إنسان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو قال إنْ شاءَ الله، لمْ يحنَثْ، وكانَ أرْجَى لحاجته] [1] .

وفي لفظ مسلم: [فلم تحمِلْ منهن إلا امرأة واحدة، فجاءت بشق رجل، وَايْمُ الذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرْسَانًا أجمعون] .

وفي لفظ آخر: [فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لو كان استثنى، لولدت كُلُّ واحدةٍ منهن غلامًا فارسًا، يُقاتِل في سبيل الله] .

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: [مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فقال: إن شاء الله فقد استثنى] [2] .

وله شاهد عنده عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: [مَنْ حَلَفَ فاستثنى، فإن شاء رَجَعَ، وإن شاء ترك غيرَ حِنْثٍ] .

وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} - أمر بالذكر بعد النسيان.

قال الحسن: (إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله) .

وقال عكرمة: (اذكر ربك إذا عصيت) .

قلت: فإن صح تفسير الحسن فهو خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فالاستثناء المفيد لا يصح إلا متصلًا في مجلس الذكر. والأولى حمل الآية على ذكر الله تعالى الذي يطرد الشيطان، وذلك أن منشأ النسيان من الشيطان، كما في التنزيل: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5242) - واللفظ له - كتاب النكاح. ورواه مسلم (1654) بروايات كثيرة، ورواه النسائي (7/ 31) ، وأحمد (2/ 275) ، وأبو يعلى (6244) .

(2) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (3261) - (3262) - كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين. ورواه ابن ماجه (2105) ، وانظر صحيح سنن أبي داود (2794) - (2795) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت