فهرس الكتاب
فقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} .
أي: اذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزلهُ عليكَ بالحق مريم ابنة عمران -عليها السلام- حين اعتزلت من أهلها فاتخذت موضعًا قبل مشرق الشَّمس دون مغربها.
قال قتادة: ( {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ} . أي انفردت من أهلها) . وعن ابن عباس: ( {مَكَانًا شَرْقِيًّا} قال: خرجت مكانًا شرقيًّا) . قال السدي: (خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا: في شرقيّ المحراب) .
قال ابن عباس: (إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة، لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة) . وفي رواية عنه قال: (إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجّ لله، وما صرفهم عنهما إلا قيل ربك: {انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} فصلوا قبل مطلع الشَّمس) . وقال قتادة: ( {مَكَانًا شَرْقِيًّا} : شاسعًا متنحيًا) .
ومريم بنت عمران -كما ذكر الحافظ ابن كثير في التفسير- من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بَيْتٍ طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادةِ أمِّها لها في [آل عمران] ، وأنها نذرتها مُحَرَّرة، أي: لخدمة بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلكَ، {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] . ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدُّؤوب، وكانت في كفالةِ زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا نبيُّ بني إسرائيل إذْ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بَهرهُ، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] ، فذكر أنه كانَ يجد عندها ثَمَرَ الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء. فلما أرادَ الله تعالى -وله الحكمة والحجّة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، {انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} ، أي: اعتزلتهم وتنحَّت عنهم، وذهبت إلى شرقيّ المسجد المقدس.
وقوله: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} . أي: توارت عنهم واستترت بستر يحجبها عنهم.