فهرس الكتاب
لم يجبرهم عليه، وهو ردّ على القدرية والجبرية فإن اللَّه علم ذلكَ وكتبه في اللوح المحفوظ كتابة علم لا جبر فيها ولا قهر، كما قال جل ثناؤه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ، وكقوله سبحانه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .
وفي سنن البيهقي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [إن اللَّه لو شاءَ أنْ لا يُعصى ما خلق إبليس] [1] .
وأصل هذا المعنى في الصحيحين واللفظ للإمام مسلم عن علي رضي اللَّهُ عَنْهُ قال: [خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جنازةٍ فلما انتهينا إلى بقيعِ الغَرْقَدِ قعدَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقعدنا حوله فأخذ عودًا فنكت به في الأرض ثم رفع رأسهُ فقال: ما منكم من نفسٍ منفوسةٍ إلا قد علم اللَّهُ مكانها من الجنةِ والنار، شقيةً أم سعيدة. فقال رجل من القوم: يا رسول اللَّه أفلا ندع العمل، فنتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة صار إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوةِ -يعني- صار إلى الشقاوة؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: اعملوا فكل ميسر، من كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ومن كان من أهل الشقاوةِ يُسر لعملها] [2] .
وله شاهد عند ابن أبي عاصم في"كتاب السنة"رجاله ثقات رجال الشيخين عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب رضي اللَّهُ عنهُ قال: يا رسول اللَّه: أنعمل في أمر نَأْتَنِفُهُ: أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمرٍ قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ فقال: يا عمر. كلا، لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول اللَّه] [3] .
وفي رواية: عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قلت يا رسول اللَّه: أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: بل على أمرٍ قد فرغ منه. قال عمر: ففيمَ العمل؟ فقال رسول اللَّه: كلا، لا يُنالُ إلا بعمل. فقال عمر: إذن نجتهد] - ورجاله ثقاتٌ.
وكذلكَ أخرجَ ابن أبي عاصم في"السنة"، والآجري، والبيهقي في"الأسماء"
(1) حديث حسن. رواه البيهقي في"الأسماء" (157) ، ورواه اللالكائي في"السنة" (1/ 141/ 1) ، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1642) .
(2) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4948) ، ومسلم (647) ، وأبو داود (4694) .
(3) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في"السنة" (161) ، ورجاله ثقات.