فهرس الكتاب
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] .
ولقد كانَ لقيام الليل أثرٌ عظيم في صقل قلوب صحابة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وتهذيب نفوسهم وتواضعهم بين بعضهم، لذلكَ كان من أولِ وصايا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصحابه في دار الهجرةِ. فقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام قال: [أول ما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة انجفل الناس إليهِ فكنت ممن جاءه، فلما تأمَّلتُ وجهه واسْتَبَنْتُه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها الناس: أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] [1] .
وكذلكَ أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن بلال عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [عليكم بقيامِ الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات] [2] .
وفي صحيح الحاكم عن سهل بن سعد رضي اللَّهُ عَنهُ قال: [جاء جبريل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا محمد! عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مجزي به، وأحبب من شئتَ فإنكَ مفارقهُ، واعلم أن شرف المؤمن قيامُ الليل، وعزَّهُ استغناؤهُ عن الناس] [3] .
وقوله: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} . قال ابن عباس: (يحذر عقاب الآخرة {وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} يقول: ويرجو أن يرحمه اللَّه فيدخله الجنة) .
وقال سعيد بن جبير: ( {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} : أي عذاب الآخرة) . ورُوي عن الحسن: (أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو! فقال: هذا متمنّ) .
قلت: وذلكَ التمادي هو الغرور المذكور في قوله سبحانه في سورة فاطر: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5] . قال سعيد ابن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسانُ بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرةِ حتى يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي. قال: {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الغرور باللَّه أن يكونَ
(1) حديث صحيح. رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم. انظر: صحيح الترغيب (1/ 616) .
(2) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (3549) . و"مشكاة المصابيح" (1227) .
(3) حديث حسن. أخرجه الحاكم (4/ 324 - 325) ، والطبراني في"الأوسط" (1/ 61/ 21) ، وأبو نعيم في"الحلية" (3/ 253) . وانظر: السلسلة الصحيحة (831) .