فهرس الكتاب

الصفحة 4054 من 5446

فيحاسبهم على ما اجترحوا من الموبقات والكبائر والمعاصي والسيئات، بلى فإن أهل البصائر والعقول يؤمنون ويوقنون بهذه المغيبات. فإلى تفصيل ذلك.

قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} . أي فلا ألتفت إلى غيره، ولا أرجو فرجًا إلا من عنده، ولا أصرف طاعة إلا إليه. كما أخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة قال: [جاء رجل إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذكر مالَهُ؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا شيء له) ، فأعادها ثلاث مِرار، ويقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا شيء له) . ثم قال: إن اللَّه عز وجل لا يَقبلُ من العمل إلا ما كان له خالصًا وابْتُغِيَ به وجهُه] [1] .

وفي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتغي به وجهُ اللَّه] [2] .

والآية أصل فر أن الإخلاص شق العمل الصالح، كما قال جل ثناؤه في سورة البينة: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} ، وكما قال في سورة الكهف: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} . فإن كون العمل صالحًا موافقًا للوحي هو الشق الثاني لحصول القبول.

وقوله: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} . أي من هذه الأمة. قال القرطبي: (وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم للَّه وآمن به، ودعا إليه -صلى اللَّه عليه وسلم-) . أي لأكون في مقدمة المخبتين المسلمين في الدنيا والآخرة، وكون قدوة المسارعين إلى الخيرات، وإمام المتقين الراجين للرحمات والمبرّات.

قلت: وهو كذلك في الدنيا والآخرة، فقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: [أنا أكثر الأنبياء تبعًا يومَ القيامة، وأنا أول من يقرعُ بابَ الجنة] [3] .

(1) حديث حسن. رواه النسائي في"الجهاد" (2/ 59) . وانظر:"الصحيحة" (52) .

(2) حديث صحيح في الشواهد. انظر معجم الطبراني"الأوسط" (4248) ، و"شعب الإيمان"-للبيهقي- (7/ 342) ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (2797) ، وصحيح الترغيب (1/ 9) .

(3) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (196) ح (331) - كتاب الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت