فهرس الكتاب
المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصَارة أهل النار طينة الخبال] [1] .
وقوله: {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} . أي: ذوقوا وبال ما اجترحتم من المعاصي والآثام ثم خرجتم من الحياة الدنيا دون توبة ولا رجعة، كقوله جل ثناؤه في سورة العنكبوت: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . وكقوله في سورة يونس: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} . وكقوله في سورة التوبة: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} .
قال الشوكاني: {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} وهو معطوف على يتقي: أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق). وقوله: {مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} قال عطاء: (أي جزاء ما كنتم تعملون) .
وقوله تعالى: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} . أي فاجأهم اللَّه بالعذاب وقد سكروا في لهوهم وتكذيبهم فباغتهم به وهم لا يشعرون. قال النسفي: (من الجهة التي لايحتسبون ولايخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بَيْنا هم امنون إذ فوجئوا من مأمنهم) . والآية تشبه قوله في سورة الزمر نفسها: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} . أي فيصيبكم ما أصاب الأمم المكذبة من قبلكم.
وقوله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . قال المبرد: (يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخَزَاية من الاستحياء) ذكره القرطبي. والآية تشبه قوله سبحانه في سورة الرعد: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} . وقوله في سورة فصلت: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} . قال الشوكاني: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ} أي الذل والهوان {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بالمسخ والخسف والقتل والأسر وغير ذلك {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} لكونه في غاية الشدة مع دوامه). وقوله {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} قال
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (2025) ، أبواب صفة القيامة.