فهرس الكتاب

الصفحة 4422 من 5446

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أصحابه فقرأ عليهم"سورة الرحمن"من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قرأتها، سورة"الرحمن"على الجِنّ ليلةَ الجنِّ، فكانوا أَحْسَنَ مَرْدودًا منكمُ، كنتُ كُلَّما أتيت على قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد] [1] .

وقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} . قال ابن جرير: (يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها. . . . وينقذكم من عذاب موجع إذا تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان باللَّه وبداعيه) .

وذهب أبو حنيفة أن لا ثواب للجن إلا النجاة من النار لهذه الآية، وهو مذهب بعيد مردود. قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: (لهم الثواب والعقاب) . وقال الضحاك: (الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون) . واستدل بقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56] . قال ابن كثير: (وأحسن منه قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 46 - 47] . فقد امتنَّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاءَ مُحْسِنهِم الجنة، وقد قابلت الجنّ هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربَّنا نكذب، فلك الحمد. فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يُجازي كافرهم بالنار -وهو مقامُ عَدْلٍ- فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة -وهو مقامُ فَضْل- بطريق الأولى والأحرى).

وقوله: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} . أي: لا يفوت اللَّه ولا يسبقه، بل قدرة اللَّه تناله وتشمله.

وقوله: {وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ} . أي: وليس له أنصار وأعوان يمنعونه من عذاب اللَّه وحلول نقمته.

وقوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . تهديد وترهيب. أي: ومن أعرض عن داعي الحق واستكبر على اللَّه ورسله فقد خاض في أوحال الضلال البين العاقبة.

(1) حسن لشواهده. أخرجه الترمذي في"سننه" (2/ 234) ، والحاكم (2/ 473) ، وأخرجه البزار (221 - 222 زوائد) ، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (2130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت