فهرس الكتاب

الصفحة 5092 من 5446

حقًّا أن المساق للَّه {إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي).

والتراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظام المكتنفة لِنُقْرَةِ النَّحر -بين ثُغرة النحر والعاتق-، وهو مقدّم الحلق من أعلى الصدر، موضع الحَشرجة. وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود: تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت.

وقوله تعالى: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . -هو على وجه الاستبعاد واليأس- قال ابن عباس: (أي: هل من راق يرقي) . وقال أبو قلابة: (هل من طبيب شاف) . وقال ابن زيد: (وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به؟ وطلبوا له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر اللَّه الذي قد نزل به شيئًا) .

وقيل: بل المعنى: من رَقِيَ يَرْقى، إذا صَعِدَ. قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: ( {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} قال قيل: مَنْ يَرْقى بروحِه، ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ) .

وعلى هذا فإنه يكون من كلام الملائكة. وكلا المعنيين وارد منسجم مع السياق والإعجاز.

وقد أظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: {مَنْ رَاقٍ} واللام في قوله: {بَلْ رَانَ} [المطففين: 14] لئلا يشبه مَرَّاق وهو بائع المَرْقة، وبَرَّان في تثنية البر. قال القرطبي: (والصحيح ترك الإظهار، وكسرة القاف في {مَنْ رَاقٍ} وفتحة النون في {بَلْ رَانَ} تكفي في زوالِ اللبس) .

قلت: وكلام القرطبي مناسب في هذا المقام، لئلا يفهم قوم وجوب مثل هذا الوقف.

وقوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} . أي: وأيقن الإنسان حين عاين الملائكة أنه مفارق الدنيا والأهل والمال والولد.

وقوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . فيه أقوال متقاربة ومتكاملة:

1 -قال ابن عباس: (التفت عليه الدنيا والآخرة. يقول: آخرَ يوم من أيام الدنيا، وأولَ يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدَّة بالشدَّة إلا مَن رحم اللَّه) .

2 -وقال عكرمة: ( {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} : الأمر العظيم بالأمر العظيم) .

وقال مجاهد: (بلاء ببلاء. يقول: تتابعت عليه الشدائد) . قال الضحاك: (اجتمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت