فهرس الكتاب

الصفحة 5160 من 5446

لأن جاءه الأعمى، وهو ابن أم مكتوم رضي اللَّه عنه الذي لا يبصر بعينيه.

أخرج أبو يعلى في المسند، بإسناد حسن، عن قتادة، عن أنس قال: [جاء ابنُ أم مكتوم إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يكَلِّمُ أُبَيَّ بن خَلَفٍ، فأعرض عنه، فأنزل اللَّه عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} ، فكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ذلك يُكْرِمُهُ] [1] . قال قتادة: (وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسيَّةِ وعليه درْعٌ ومعه رايةٌ سوداءُ، يعني ابن أمِّ مكتوم) .

قلت: فكان العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه، لأن ابن أم مكتوم يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف وأمثاله من المشركين.

وقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} . أي: وما يدريك يا محمد، لعل هذا الأعمى المؤمن الذي عبست في وجهه يزّكى: أي يتطهر من ذنوبه، ويرتفع في إيمانه.

وقوله تعالى: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . أي: أو يعتبر ويتعظ فينفعه الاتعاظ والاعتبار، ويشد ذلك من عزيمته ليثبت على سبيل الأخيار.

وقوله:"فتنفعَه"نصبه عاصم جوابًا لِلَعَلّ، ورفعه غيره -"فتنفعُه"- عطفًا على"يذكّر"، وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.

وقوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} . قال النسفي: (أي من كان غنيًا بالمال {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} تتعرض بالإقبال عليه حرصًا على إيمانه) . والتصدِّي: الإصغاء. وأصله في كلام العرب من الصَّدَد: القُرب. يقال: دارِي صَدَدَ دارِه أي قُبالتَها، وهو نَصْبٌ على الظَّرف. وقراءة عامة القراء"تَصَدّى"بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفًا.

والمقصود: إنك تقبل -يا محمد- عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به، غرّه ماله وجاهه وسلطانه.

وقوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} . أي: وما أنت -يا محمد- بمطالب بهذا الكافر إذا لم يؤمن ويرشد ويتطهر، فإنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ. قال مجاهد: (يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّرَ من كفره فيسلم؟ ) .

وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} .

قال مجاهد: (يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا، وهو يخشى اللَّه ويتقيه،

(1) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في"مسنده" (3123) ، وإسناده حسن، رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت