إذا فهمتَ هذا، فاعلم أن أعظمَ درجاتِ التمسك بهذه العروة الوثقى وأعلى مراتب الكفر بالطاغوت، هو ذِروة الإسلام، أعني جهاده، وجهاد أوليائه وأتباعه والسعي لهدمه، وإخراج النّاس من عبادته إلى عبادة الله سبحانه وحده... ومِن ذلك الصدع بهذا الحق وإعلانه كما كان شأن الأنبياء وطريقتهم التي بيّنها الله تعالى لنا أحسنَ بيان، عندما أمرنا بالإقتداء بملَّة إبراهيم ودعوته فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه (1) إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تُؤمنوا بالله وحده} (2) . فقوله: {بدا} أي ظهر وبان... وتأمل تقديمَ العداوة على البغضاء، لأنها أهم لأنَّ الإنسان قد يُبغض أولياءَ الطاغوت ولا يُعاديهم فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء...
وتأمل كيف ذكر الله تعالى براءتهم من الأقوام المشركين قبل البراءة مما يعبدون لأنَّ الأولى أهم من الثانية... وذلك لأن كثيرًا من النَّاس قد يتبرء من الأصنام والطواغيت أو الدساتير والقوانين والأديان الباطلة ولا يتبرأ من عبيدها وأنصارها وأشياعها... فلا يكون آتيًا بالواجب... لكن إذا تبرأ من عبيدها المشركين فهذا يستلزم البراءة من معبوداتهم وأديانهم الباطلة... (3) .
(1) 13) قال بعض المفسرين {الذين معه} : أتباعه أو الأنبياء الذين على طريقته .
(2) 14) سورة الممتحنة، الآية 4 .
(3) 15) مستفاد من: (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) لحمد بن عتيق... وراجع رسالتنا: (ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين وأساليب الطغاة في تمييعها وصرف الدعاة عنها) . طبع النور للإعلام الإسلامي .