لكي نفهم أكثر مظاهر الرعونة والعنجهية التي تحكم سلوك الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقعت في قبضة أصولية المحافظين الجدد تجدر بنا العودة إلى (فرانز فانون) الذي حين كتب (بشرة سوداء .. أقنعة بيضاء) ، كان يدرك أن الانفجار لن يحدث لحظتها، لعل الوقت كان متقدمة جدا أو متأخرة جدا، كما أومأ هو بنفسه إلى ذلك، ولم يكن الرجل يدعي التواضع أو يتظاهر به، وإنما كان يتصرف كأي عالم حقيقي لا يركن إلى اليقين أبدا:"أنا لا أصل البتة مسلحة بحقائق حاسمة .. وعيي لا تخترقه ومضات جوهرية"، لكنه يرى، وبكل صفاء، أنه من المفيد أن تقال بعض الأمور، وهو يحلل كيف يتصرف الرجل الأبيض، الذي خلق لنفسه دومأ صورة المنتصر والفاتح والمنقذ، إزاء البشر الآخرين من الملونين والسود؛ ثم يحلل كيف يتصرف هؤلاء الملونون والسود تحت وقع ذلك الشعور بالانسحاق الذي جلبه لهم الأبيض السكران بنشوة التفوق؟.
إن الأمريكيين هم الشعب الوحيد الحديث، تبعا لأقصى ما تتيحه ذاكرة إنسان، الذي (كنس) عن الأرض، التي استوطنها السكان الأصليون. يمكن لنا العودة إلى النص المدهش المحمود درويش) (الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر) لندرك هول الكارثة، و (فائون) يرى أن أمريكا وحدها كانت تستطيع أن تكون ذات إحساس قومي بالخطأ وتسعى للاعتذار عنه، لكنها لم تختر هذا السبيل، إنما سعت لتهدئته من خلال اختراع صورة الهندي الأحمر السيئ، لكي تتمكن لاحقا من إعادة إدراج للصورة التاريخية لصاحب البشرة الحمراء، الذي يدافع بلا نجاح عن ترابه الذي خلق من عجينته بمواجهة الغزاة المسلحين بكتب مقدسة وبناءة
بعد ذلك بقرون سيأتي الفتيان السود يرددون في المدارس نشيد: (آباؤنا الغاليون) وهونشيد يتماهى مع المستكشف، مع الرجل الذي يزعم أنه جلب الحضارة، جلب الحقيقة (البيضاء) تماما، صافية. يراد من هؤلاء الفتيان نسيان أن تلك الحضارة البيضاء إنما شيدت بعرق ودماء أجدادهم. فالآباء الغاليون في النشيد ليس هم أولئك الأجداد، ولا أولئك الهنود الحمر الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم تقريبا الحظة أتى المغامرون البيض بحثا عن الذهب في العالم الجديد.