الصفحة 58 من 389

الأمة مقابل الهوية القومية

قدم الإسلام من البداية فكرة جريئة وتقدمية: وهي أن القبلية وروابط الدم لا تكون أساسا صحيا لإنشاء الدول، أو الحكم، أو السياسة. لقد سعى الإسلام إلى تجاوز العرقية باسم مثل أعلى شامل من المساواة ضمن جملة نصوص دينية. والكثيرون سيحاجون اليوم أن الإسلام ما يزال يقاتل بقايا العقلية القبلية التي تعيق للغاية قيام الحكم الصالح في معظم العالم الإسلامي اليوم. الأمة هي الرؤية.

وهكذا فالأمة بوصفها مثلا أعلى تتجاوز الأمة الدولة تجاوزا كاملا: فوحدتها الروحية غاية ثابتة مستمرة، حتى لو لم تكن متحققة أبدأ تحققأ كاملا في شكل سياسي. الأمة مباركة من الله، والأمة - الدولة ليست كذلك. وهذا التمييز لا يستبعد بالضرورة الولاء للأمة - الدولة كذلك، ولكن مثل هذا الولاء يكون مستندة إلى أساس مختلف، وخصوصا عندما تساس الدولة من أنظمة حكم قمعية. وبهذا يكون هناك توتر طبيعي واضح في عقل الإسلاميين بين المثل الأعلى للأمة وبين الحقيقة الواقعة للأمة - الدولة. والتوتر ذو اهتمام خاص في العالم العربي، وفي هذا العالم، وباعتراف شامل تقريبا، يلاحظ معظم العرب أنهم قد قسموا تقسيم اصطناعية بالحدود التي فرضها عليهم الاستعمار، حتى لو كانت بعض التقسيمات داخل العالم العربي تقسيمات طبيعية، وتاريخية، وجغرافية، للاحظ العرب أن عدد الدول الحالية مفرط وهو في الأغلب"غير عضوي"في طبيعته. وتحتوي هذه الملاحظة على حقيقة كبيرة، ويستطيع المرء أن يتأمل باهتمام بالضبط أي حدود عربية كان يمكن أن توجد اليوم لو لم يكن هناك استعمار.

ومن المفارقة الساخرة، أن الإسلاميين ينتهجون هنا في الواقع نهجة تحديثية - الجهد المبذول للابتعاد عن الأمة - الدولة الضيقة الأفق نحو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت