العلمانية والحداثة هما نصف القصة فقط. أما النصف الآخر، الاستعمار، فقد كان خفيا (1) . من خلال النضال من أجل إزالة الاستعمار في أفريقية وآسية عندما كنت طالبا في باريس، تعلمت أن أرى نشوء الدولة القومية في أوروبة القرن التاسع عشر بوصفه حلا للبعض (الطبقة البورجوازية) ومشكلة للآخرين. لقد أنشا شکل وأيديولوجيا الدولة القومية، في أوروبة، خطا فاصلا واضحا بين المواطنين القوميين والقوميين (بالإضافة إلى اللامواطنين) . لكن التبعات كانت أكثر قسوة في المستعمرات، إذ تم التسليم بالدولة القومية، كما في مواقع غزاها الاستعمار مثل الصين واليابان وروسيا وتركيا وبلاد فارس / إيران وهلم جرا.
لذلك، حجتي هنا هي أنه في حين قدمت دولة إسرائيل حلا للشعب اليهودي، فإنها أيضا أصبحت مشكلة للفلسطينيين؛ لأن المشروع الصهيوني كان في الوقت نفسه حركة تحرر مبنية على نمط الدولة القومية الأوروبية الحديثة، التي كانت قبلا محصنة بالإمبريالية الأوروبية حول العالم. لهذا السبب، كان حل نزاع فلسطين > إسرائيل يتطلب أكثر من اتفاقيات سلام- كان يتطلب إزالة الاستعمار عن شکل الدولة القومية الأوروبية الحديثة.
كانت الدولة القومية منذ ولادتها وتعزيز وجودها بعد الثورة [الإنكليزية المجيدة عام 1688، والثورة الأميركية عام 1776، والثورة الفرنسية عام 1789، حلا للبورجوازية الأوروبية الناشئة، الراغبة في ترسيخ استقلالها عن الكنيسة والدولة الملكية، في الولايات المتحدة، كان الحل بالنسبة للأنغلو- کريوليين هو الانفصال عن الملكية البريطانية. مع ذلك، كانت السيرورات التي غيرت العالم على مدى قرن من الزمن (1688 - 1789) حلولا جيدة للبعض (الحداثة) ومخازي للبعض الآخر (الاستعار) . الثورة المجيدة والثورة الفرنسية عززتا السيطرة السياسية والاقتصادية لطبقة- إثنية صاعدة - البرجوازية الأوروبية. أما الثورة الأميركية فقد عززت السيطرة السياسية والاقتصادية لطبقة ناشئة جديدة، هي النخبة ما بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصف «الحداثة، بأنها الغربية، لأن الحداثة ليست کيانة أو حقبة تاريخية بل السردية المصنعة ذانيا من قبل الفاعلين الأوروبيين عن إنجازاتهم وشرعنتهم سلب الحقوق والهيمنة والغزو.