الصفحة 54 من 262

السنوات الست أو الثماني الأولى من حياتيهما، ربما كانا متشابهين جدة، وما كان لذويهما أو لأترابهما أن يبصرا أي فرق يذكر بينهما. وعند تلك السن أو بعيد ذلك كان أن شغلا في صناعتين مختلفتين تماما. وعندئذ يبدأ الاختلاف في المواهب يلفت الانتباه، ويتسع تدريجيا، حتى ليكاد غرور الفيلسوف في نهاية المطاف أن يدفع بصاحبه لإنكار أي تشابه بينهما. ولكن لولا الاستعداد للمقايضة والمعارضة، والمبادلة، لكان لزاما على كل أحد أن يؤمن لنفسه كل ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة وكمالياتها، ولكان على الجميع أن يقوموا بنفس المهام، وإنجاز الأعمال نفسها، ولکان ما بينهم من الاختلاف في العمل ما يفضي بحد ذاته إلى أي اختلاف كبير في

المواهب.

وكما أن هذا الاستعداد هو الذي يشكل الاختلاف في المواهب، وهذا بديهي بين أصحاب الصنائع المختلفة، كذلك فإن هذا الاستعداد نفسه هو الذي يجعل هذا الاختلاف نافعة. فالكثير من فصائل الحيوان المعترف بأنها كلها من النوع نفسه تستمد من الطبيعة تمايزا في السجايا ألفت للانتباه مما يظهر من الاختلاف القائم بين الناس قبل تعرضهم للاعتياد والتربية. فالاختلاف من حيث الفطرة والاستعداد، بين الفيلسوف وحمال الشارع، لا يبلغ نصف الاختلاف بين الدرواس (وهو كلب ضخم من کلاب الحراسة) والسلوقي (من كلاب الصيد) ، أو بين السلوقي والسبانييل، أو بين هذا الأخير وكلب الرعاة. غير أن هذه الفصائل المختلفة [120] وإن كانت كلها من النوع نفسه، لا ينتفع بعضها من البعض الآخر. فلا سرعة السلوفي، ولا دراية كلب السبانييل، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت