الخارجية ولا شجعها الهنود، ولا الصينيون، بل يبدو أنهم جميعا قد استمدوا ثرواتهم العظيمة من هذه الملاحة الداخلية.
كل أنحاء أفريقيا الداخلية، وكل ذلك الجزء من آسيا الذي يتناءي شمالا عن بحر قزوين، وبلاد الروس الجنوبية القديمة، وتارتاريا وسيبريا الحديثتين، يبدو أنها ما تزال في حال البربرية وعدم التمدن الذي نجدها فيه اليوم رغم ما مر عليها من عصور. فبحر تارتاريا هو المحيط المتجمد الذي لا يقبل الملاحة، ومع أن بعضا من أكبر أنهر الأرض تجري في تلك البلاد، فهي متنائية بعضها عن بعض بحيث لا تتحمل التجارة والمواصلات في الأقسام الكبرى منها. فليس في أفريقيا أي من هذه الخلجان الكبرى الشبيهة ببحر البلطيق والأدرياتيك في أوروبا، والبحر المتوسط و بحر أوكسين في أوروبا وآسيا، والخلجان العربي، والفارسي، والهندي، والبنغالي، والسيامي، في آسيا، التي تحمل التجارة البحرية إلى الأنحاء الداخلية من القارة الكبرى: كما أن أنهر أفريقيا الكبرى متنائية بعضها عن بعض إلى حد لا ينبح قدرة يذكر من الملاحة الداخلية. والتجارة التي تستطيع أمة من الأمم أن تمضي فيها بواسطة نهر لا يتفرع إلى عدد كبير من الفروع أو القنوات، ثم يجري في أراضي أمم أخرى قبل أن يصب في البحر، لا يمكن أن تكون كبيرة جدة؛ لأنه في مقدور الأمم التي تمتلك تلك الأراضي أن تقطع الاتصال بين البلاد العليا والبحر. من ذلك أن الملاحة في نهر الدانوب قليلة المنفعة [125] لدول بافاريا، والنمسا، وهنغاريا، بالقياس إلى ما كان من الممكن أن تكون عليه لو أن أية من هذه الدول كانت تمتلك مجراه حتى مصبه في البحر الأسود.