والكاتب يمهد لنظريته او المنظومته الفكرية- بهدوء وذكاء، وهذا يقتضي، أن بيدا (بمزل) النظريات الاجتماعية الغريبة والتحفظ عليها في مكان أمين خارج إطار"خصوصيتا التاريخية المتميزة"، وهو في عزله لهذه النظريات الاجتماعية الغربية يركز تحفظاته على المدرسة الماركسية بخاصة
ومدخله إلى هذا العزل متعدد الأبواب، فهو من ناحية يدعو إلى كسر الهيبة والقداسة التي أحاطت بالفكر الغربي
وهي دعوة من ناحية المبدا- مغرية ومقبولة وصحيحة. مغربية من حيث مراودتها اللذات التي تعاني من الانكسار والإحباط والانسحاق الحضاري.
ومقبولة من حيث إنها تستجيب لسعي المجتمع العربي للتميز وتقديم مساهمة تخصه"في مسيرة البشرية"
وصحيحة من حيث إنها تشير إلى مبدا فويم في تطوير وازدهار المجتمعات والحضارات، وهو مبدأ"الإبداع المخصوص لكل أمة حضارية"
على أن الكاتب يستخدم هذه الدعوة، المغرية والمقبولة والصحيحة من حيث المبدأ، لينطلق منها خطوة جديدة، هي تحدي تصورنا التقليدي بان العلوم الاجتماعية العربية هي"علم عالمي"كالعلم الطبيعي- بصلح لكل المجتمعات الإنسانية
ولكن السؤال هنا: من قال إن العلوم الاجتماعية - غربية أو غير غربية- هي مماثلة للعلم الطبيعي؟ ومن قال إن العلوم الاجتماعية الغريبة هي علم عالمي يصلح لكل المجتمعات؟.
أن أغلب من بود الكاتب عادل حسين الرد عليهم أو دحضهم (وهم من الماركسيين خاصة) يفرقون بين العلم وبين الرؤية العملية، ومن ثم فهم يرون أنه يمكن أن تتشكل لدينا، من خلال العلوم الاجتماعية، نظرة علمية للواقع والتاريخ وتطور المجتمعات
لقد تجاهل الكاتب هذا التفريق بين العلم / وبين النظرة العلمية"، لكي يتسنى له أن يبرر مشروعية نقده أو عزله أو مراجعته للفكر الماركسي، على أنه لم يكن في حاجة إلى هذه المقدمة المصطنعة، فإن حق المراجية لأي فكر على أي حال حق إنسائي وعقلي مشروع، لا يستدعي أن يضطر المراجع إلى أن يسبغ على ما يريد مرا جعته ما ليس فيه، حتى يكون تجاوزه او التخلي عنه مشروعا ومقبولا"
وقد أفضى هذا الباب إلى باب جديد، حيث يرى الكاتب أن"العلوم الاجتماعية الغربية، كلها وفي مقدمتها الماركسية بالطبع) معادية لنا، لأنها إفراز واقع مختلف بسعى الهيمنة على العالم الثالث، وينتج من العلوم الاجتماعية ما يلائم مصلحته، وما بعادي مصلعتناء بالضرورة، فهي علوم متعصبة ومدمرة إلا"