الصفحة 102 من 180

لن تتوقف عند الملاحظة المعتادة التي تأخذ على مثل هذه التحليلات الإطلاقية أنها ترى الغرب في كلية واحدة لا تميز فيها بين غرب راسمالي وغرب اشتراكي، بل ولا تميز فيها (حتى في الغرب الرأسمالي نفسه بين طبقائه أو فئاته أو تبايناته الاجتماعية والفكرية. لن تتوقف عند هذه الملاحظة، لأنها غير غائبة عن الكاتب، ولأنه يرى أن العلوم الاجتماعية الغربية كلها رأسمالية أو اشتراكية كانت مجرد إجابة على أسئلة اوروبية حديثة، وأنها لا تستحق بالتالي صفة العلوم العالمية، واننا تواجه من مواقع التبعية والتخلف الاقتصادي اسئلة الغرب، ويتطلب هذا أن ننشئ مدارس تختلف عن مدارسه، إذا أردنا أن نفهم مجتمعنا ومراحله في ضوء عقيدتنا السائدة"."

وليس من شك في أن مجتمعنا مختلف وله تمايزاته الخاصة، وقسماته"-بتعبير د. عمارة الأثيره المستقلة، وله من ثم اسئلته المختلفة التي تتطلب إجابات مختلفة"

ولكن السؤال النظري هنا: أليس لكل مجتمع اختلافه عن المجتمعات الأخرى وقسماته المستقلة وأسئلته الخاصة وإجاباته المتميزة، كذلك؟

لماذا هذا الإصرار المستمر على خصوصية وتفرد مجتمعنا، وكان كل مجتمعات العالم متماهة متطابقة متاسخة، ونحن، وحدنا، المتميزون المخصوصون؟

ما هو مضمون هذا"التميز الذي يلح عليه منظور التميز: هل هو أننا مجتمع متدين اسلامي؟ وهل نحن المجتمع المتدين الوحيد في الكون؟ هل هو أننا أصحاب حضارة قديمة عريقة؟ وهل نحن المجتمع الوحيد في الكون ذو الحضارة القديمة العريقة؟"

اغلب الظن أن دعاة المشروع المتميز بهدفون ببساطة إلى الدعوة إلى مجتمع اسلامي متحضر وهو ما اسماه عادل حسين: المعاصرة المؤصلة، وإلى التأكيد أن الماركسية (وسائر الاتجاهات العلمانية"الدنيوية - بتعبير عادل حسين المقترح) لا تصلح في رأيهم المجتمعاتنا المتدينة."

هل هذه هي الدعوة المنشودة ببساطة وبلا دوران؟

أفليس حريا باصحابها، إذن، أن يدعوها مباشرة، دون حاجة إلى الاستغراق في مفاهيم التميز والتفرد والخصوصية وغيرها من مفاهيم تكاد تشارف بأصحابها تخوم"الشوفينية والعنصرية الممجوجة؟"

وإذا كان كثير من المجتمعات ذا حضارة عريقة مثلنا، وكثير من المجتمعات ذا تدين مثلنا، (حتي هذه المجتمعات الغربية التي تختلف عنها) ، فما هي القسمة الفارقة؟

الأرجح أن هذه القسمة الفارقة هي -عند منظري التميز العربي- أن الدين عندنا ليس منفصلا عن الحياة، إنه"دين ودنيا"، أي"عقيدة ونظام. وهنا نكون قد وصلنا إلى مشكلة الخلط أو التطابق بين الدين والدولة"

هذا هو الفارق الملحوظ، وهو ما يجعل مفكري التميز والخصوصية يعتقدون بأن سمتنا الحضارية الفارقة هي"التوازن بين الدنيا والدين، أي بين الجوانب المادية والمعنوية."

هي، إذن، الدعوة إلى مجتمع إسلامي، وإن تنوعت الصياغات بين السلفيين والمجددين: من مجتمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت