الحاكم، مؤسسات موازنة تحاصر هذه الصلاحيات، والأمر عند الكاتب هو أن هذه المؤسسات الموازنة هي التي أصابها العطب والتآكل في الأنساق السياسية المعاصرة، فتحولت القيادة إلى الاستبداد الرهيبة
على أن الكاتب لم يبين لنا ما إذا كان هذا العطب والتآكل قد اصاب، هذه المؤسسات ذاتيا (كانها أعطبت حالها بنفسها) أم أن سياسات النسق واتجاهات السلطة القابضة الملهمة الفذة هي التي أعطبتها وجمدتها وعطلت دورها الحقيقية
إن ملاحظة الكاتب نفسه عن عطب وتاكل هذه المؤسسات الموازنة تاكيد ضمني على عدم تحقق لعبة التوازن التي يرمي اليها تصوره للنسق المتناغم، طالما كانت هناك سلطة عبقرية مفوضة (من قبل التاريخ والقدر) ، وطالما ليست هنالك ضوابط عملية وتشريعية ودستورية وديمقراطية ملموسة على المستوى التنظيمي وعلى المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي في آن.
ولما كان الأمر كذلك في نسق المشروع المستقل فإن"الأشكال المؤسسية المشاركة النخبة السياسية لا تتقيد بصيغة واحدة. والتعدد الحزيي على وجه التحديد لا يبدو ملائما، إلا في أحوال نادرة ووفق شروط واضحة. كما أنه ليس الجوهري هو أن تكون السلطة القائمة بالتشريع منتخبة، ولكن الجوهري هو ان تحاط بقدر من الضمانات التنظيمية والقيمية في مواجهة السلطة التنفيذية."
وطالما كان المشروع المستقل يحل جماعات الضغط الموازنة محل سائر الأشكال التنظيمية الديمقراطية وسائر الحقوق القانونية في التظاهر والإضراب، فما الحاجة لأي من هذه الحقوق القانونية"بل"أن الاعتراف القانوني بهذه الأشكال التظاهر والإضراب) يمكن أن يساء استخدامه بحيث يعرض النسق في مجمله إلى هزات يصعب احتمالها. ولكن عدم الاعتراف القانوني بهذه الأشكال يقابله أنها عمليا احتمال قائم، ومجرد قيام هذا الاحتمال يساعد في دفع النسق لتصحيح أخطائه عبر استجابات رشيدة من قيادته الرشيدة
إن كل شئ، إذن هو من أجل سلامة النسق الموجود سلفا تقريبا، فالتظاهر والإضراب قد يعرضان النسق للهزات، ومن ثم فهما ممنوعان. لكن لهما فائدة لصحة النسق، إذ أن التلويح بهما كإمكانية فعل واردة، هو في صالح النسق، لأنه يجعله يصلح من نفسه ويستجيب للمطالب، فيفيد الشعب بالتلبية ويفيد نفسه بالبقاء وامتصاص السخط.
والواقع، أن المرء لا يجد مفرا في النهاية من أن يواجه هذا التصور بالأفكار البسيطة التي قد لا يحبها المفكرون غير البسطاء، ليقول جملة واحدة
هكذا ينتهي المشروع الثوري - المستقل الموروث والمنشود- بصاحب النسق المتميز المتناغم، إلى إنكار التعدد السياسي، أي إنكار حق الطبقات في تكوين تنظيماتها المستقلة ليصبح لها تعبيراتها الفكرية والاجتماعية المستقلة، والى الدفاع مجددا عن فكرة المستبد العادل"، وإلى إنكار الانتخابات التشريعية، وإلى إنكار حق التظاهر والإضراب."
إن مؤدى ذلك كله، أن الكاتب ينتهي إلى التعارض مع مجمل الأهداف الحالية التي تجهد من اجلها