كان يتكلم العربية في الجنة حتى لقد نسبوا إليه شعرا حفظته العرب. ومؤدي راي المعري أن في الدنيا كتبا أخرى مقدمة غير القرآن ولغات أخرى غير العربية، وهذه وتلك كلها مخلوقة"أو"محدثة وليست قديمة قدم الله، وإنما بدات بوجود الإنسان على الأرض
والمعري، في ذلك الراي، ليس جديدا، فقد كان ينحاز فيه إلى مدرسة المعتزلة والفلاسفة في تلك المناظرة الكبرى التي شطرت الفكر الإسلامي نحو ثلاثة قرون أي منذ المائة الأولى بعد موت الرسول مباشرة إلى شطرين عظيمين؛ شطر بري رأي السنة والأشاعرة وغيرهم بأن الله موجود بذاته وصفائه وبان الجبر يحكم الوجود الإنساني، بل كل وجود، فكرا ومادة وفعلا، وبأن القرآن قديم قدم الله او قدم الخليقة، ومع القرآن اللغة العربية التي نزل بها القرآن. وشطر بري رأي المعتزلة وغيرهم أن الله موجود بذاته فقط، أما صفاته فهي غير مساوية لذاته، لأنها لوساوتها لا متنع التوحيد وانفتح الباب أمام تعدد الألهة من جديد، وبأن الإنسان مخير لا مسير والا لامتنع العدل، وبان القرآن ومبه اللغة العربية التي نزل بها - محدث أو مخلوق وليس قديما.
وهكذا تواجهت في علوم اللغة- نظريتان: نظرية تقدم اللغة العربية وترفعها في الشرف والأصالة على بقية لغات الأرض، تأسيسا على أنها اللغة التي نزلت بها معجزة القرآن. ونظرية تثبت أن القرآن محدث، وأنه قد داخلته الفاظ أعجمية عديدة. وامتد البحث إلى ما في اللغة العربية من الفاظ اجنبية، ففي طرف قال أبو عبيدة عن دخيل الألفاظ في القرآن: من زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم الفول"، ومن طرف قال ابن جرير:"في القرآن من كل لسان". وقال ابن فارس في"الصاحبي": إن لغة العرب توقيف (وحي وإلهام) ، ودليل ذلك قوله جل ثناؤه (وعلم آدم الأسماء كلها) ."
بينما دعا ابن جني إلى أن أصل اللغة تواضع واصطلاح، وليس وحيا وتوقيفا. (ورابه هنا جزء من مذهب المعتزلة) وتابعه بعد ذلك ابن خلدون. وأورد الباحث حديث الرسول، عن أبي هريرة، أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه
وفي القرن الخامس الهجري قدم القاضي عبد الجبار نظرية هامة في اللغة تدل على فهمه الراقي لتطور اللغات تطورا عضويا، فهو في رده على الطاعنين في بيان القرآن وسلامة عريينه الاشتماله على بضعة كلمات فارسية، يقبل مبدأ الامتصاص والتمثيل اللغوي في سائر اللغات بما فيها اللغة العربية، ويقرر أن الألفاظ الأعجمية المستعارة ذاتها تصبح الفاظا عربية ما دامت قد عريت واستقرت كجزء من عمود اللغة
وتعني نظرية القاضي عبد الجبار هذه، أن انتماء الكلمة لأكثر من لغة أمر وارد، وليس بغض من اصالة كلمة في لغة من اللغات انتماؤها إلى لفة أو لغات أخرى. والمبدا القائل بأن"الكلمة قد يجوز ان تتفق في لفتين، فليس كونها فارسية يمانع من كونها عريية. يفتح الباب واسعا امام علم فقه اللغة المقارن، لأن ذلك يعني أن القاضي عبد الجبار والمعتزلة عامة والمتفلسفين بصفة أعم كانوا يدركون بسبب سعة ثقافتهم وإلمامهم باللغات الأجنبية نواتر الألفاظ في أكثر من لغة، إما بسبب وشائج القرابة اللغوية وإما بسبب التأثيرات الحضارية. كما أن نظرية القاضي عبد الجبار هذه، تقرر مبدا هاما"