الصفحة 178 من 180

وصاحبه، من غير أن يكونوا قد قراوه، ويصفونه بأنه وباء يتوجب علينا محاربته، أو تركه فريسة لمن مادروه وبعد ان كنت حزيتا، بسبب مصادرة الكتاب وعدم قدرة مجتمعنا المصري على التحاور الحر المسئول مع المختلفه من الآراء، صار حزني شعورا عميقا بالمرارة، لأنني ادركت ان بعض فصائل الطليعة الفكرية المنوط بها تنوير المجتمع، وحماية الآراء والتيارات والاجتهادات الفكرية فيه من الكبت والمصادرة والمنع، هم أنفسهم لا يحملون في قرارة أنفسهم قناعة حقيقية بحرية الفكر والاجتهاد، ولا تطوي دواخلهم على إيمان اصيل بالسماحة الفكرية التي يطالبون بها ليل نهار، ويلهج لسانهم بضرورتها لتقدم المجتمع ولنفي التخلفا

ماذا في كتاب مقدمة في فقه اللغة العربية حتى تقوم له قيامة الأزهر، فتصادره بعد طبعه وحتى يسكت عن هذه المصادرة الكثيرون من دعاة الحرية؟

وقبل أن أحاول الإجابة على هذا السؤال، أود أن أشير إلى أن لويس عوض بشخصه وفكره واحدا من أكثر مفکرينا تعرضا للظلم والتشويه وسوء الظن وسوء القراءة. وأفسر قولي صراحة فاوضح أن قبطية لويس عوض جعلته دائما موضع شبهة وإنكار وإدانة في مجتمعنا ذي الغالبية الإسلامية الساحقة، كانت ديانة لويس عوض المسيحية سيبا دائما لأن يكون الرجل متهما حتى الثبت براءته، وبالطبع، فلم تكن تثبت براءته أبدا: أولا لأنه مفكر جرئ مثير للمعارك العقلية دائما، کثر الدخول في المناطق المحظورة، وثقافيا لأن خصومه وقضاته كانوا دائما، غير مستعدين اتجاوز هذا المنظور الطائفي الذي ينظرون منه إلى الرجل وآرائه، وغير مستعدين لترجمة دعواهم في حرية الراي والاعتقاد إلى مواقف ثقافية فكرية ميدانية ملموسة. وثالثا، لأن السلطة الإدارية والثقافية والدينية والسياسية لم تكن مستعدة لإشاعة جو الحرية الفكري لا له ولا لغيره، وخاصة حينما تمس هذه الحرية أحد المحرمات الثلاثة الدين، السياسية، الجن

ولقد اتهم الرجل كثيرا، ودائما، بأنه ينطلق من نزع طائفي (قبطي) . وعندي أن هذه التهمة غير صائبة وغير صحيحة، ففكر الرجل ومشواره الثقافي يوضحان لنا أنه مفكر علمائي، وان تقلبت عنده تجليات هذه العلمانية غير تقليات حياته الفكرية. وهو ينطلق من أن المواطنة مشروطة بالوطنية لا بالدينا وقد ذكر لنا في مسيرته أوراق العمر أن أكثر ما آلمه أيام الصباء أن المدرسة كانت تفصل في حصة الدين بين الأولاد المسلمين والأولاد المسيحيين، وأن جهابذة التدريس لم يجدوا في الديتين أية قواسم مشتركة يمكن تلقينها للتلاميذ من الجانبين، بدلا من هذا التقسيم الذي يزرع من اللحظات الأولى- بذور الشعور بالانقسام والاختلاف في نفوس الناشئة.

على أن مسألة قبطية لويس عوض هذه، تحتاج إلى وقفة تصحيحية، ليس لنفيها عنه وكيف لي ذلك وهو نفسه لا ينكرها، بل دائم الإشارة إليها، بل لوضعها في سياقها الصحيح وإطارها الأشمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت