الصفحة 52 من 180

المفكرين لفلسفة الكل في واحد، ووجدوا لها قرائن ونظائر في تجارب دول العالم الثالث، وربط بعضهم بين واحدية محمد علي وواحدية عبد الناصر، وتحدث الدكتور أنور عبد الملك عن دور الجيش الوطني في قيادة التجارب الاستقلالية الوطنية في البلدان المتخلفة، وقسر عدد آخر من المثقفين هذه الواحدية القابضة بالطبيعة المصرية المتصلة بالدولة المركزية القديمة في البلاد التهرية ذات السلطة المركزية المهيمنة الواحدة،

ومن ناحية أخرى، فإن قطاعا كبيرا من المفكرين والأدباء قد سلم بالمقايضة الضمنية الشهيرة التي طرحتها الثورة طرحا غير مكتوب"الديمقراطية الاجتماعية في مقابل الديمقراطية السياسية , وافق الكثيرون من المفكرين والمثقفين على هذه المبادلة المدمرة"خذ حرية الكلمة والتنظيم والاعتقاد، واعطنا حرية المأكل والملبس والعدالة الاجتماعية وقد لخصت الثورة هذه المقايضة العينية بإعلانها أن الديمقراطية الحق ليست الثرثرة والكلام والفوضى الفكرية، بل هي لقمة للجائع وسكن وعمل وكساء للمواطن وقطعة ارض صغيرة للفلاح المعدم.

وكانت الإجراءات العديدة التي تحقق قدرا من الديمقراطية الاجتماعية تتوالى بالفعل، بصورة تدعم الاعتقاد بأولويتها على الديمقراطية السياسية.

فهاجم هذا القطاع من المثقفين الفوضى الليبرالية المسابقة على الثورة، وأعلن نجيب محفوظ أن الوطن في حاجة إلى هذه الديمقراطية الاجتماعية أولا، ولتتاخر الديمقراطية السياسية قليلا، إلى مراحل تالية

ولم تمض سنوات قليلة حتى وقعت الواقعة التي لابد أن تقع نتيجة لهذه المبادلة المدمرة. ادرك هؤلاء المثقفون أن هزيمة يونيو حزيران- الرهيبة كانت نتيجة لأسباب عديدة على رأسها التفريط في الديمقراطية السياسية من أجل الديمقراطية الاجتماعية، وان هذه الديمقراطية الاجتماعية نفسها

إذا تحققت لا يمكن حمايتها إلا بالديمقراطية السياسية، وأن التفريط في الأولى من اجل الثانية يؤدي إلى فقدان الاثنتين معا

لقد نطن الجميع أن المقايضة التي تمت من قبل كان معناها الحرفي يقول"خذ عقلي واعطني بطني"، ونتيجتها التخلي عن الأداة التي يمكن أن تصون أية مكاسب اجتماعية، وهذه الأداة هي حرية القول والفعل والاعتقاد والتنظيم المستقل عن الاندماج في تنظيمات وأيديولوجيات السلطة، حتى لو كانت هذه الأخيرة سلطة وطنية.

ومثلما كان هذا الموقف تطرفا حادا إلى حد الاندماج والتسليم من هذا القطاع من المثقفين، كان الموقف الجديد بعد إدراك المأمان - تطرفا حادا، كذلك، ولكن على الطرف المعاكم

فبعد 70 - 73، وبعد رحيل عبد الناصر وتعديل السادات للهياكل الدستورية والتنظيمية لصالح توجهاته، وحرب اكتوبر تشرين، ستجد أن كثيرا من هؤلاء المثقفين أنفسهم قد انتقلوا من النقيض إلى النقيض، من التضحية بالديمقراطية السياسية من أجل الديمقراطية الاجتماعية، إلى العكس تماما، فسلموا باولوية الأولى على الأخيرة، تحت شعار استكمال وإنجاز بند"تحقيق الحياة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت