الديمقراطية السليمة الذي لم تنجزه الثورة في مرحلتها الأولى، الناصرية، فكانوا بذلك يوافقون - ضمنا أو صراحة على دفع العدالة الاجتماعية والاشتراكية (أو ما تحقق منهما من إنجازات جزئية يسيرة) ثمنا للتعددية الحزبية وللحريات السياسية الغائية.
وهم، كذلك، راحوا يكتشفون اليوم مجددا- أنهم خسروا الاثنتين معا، فلا حياة حزبية كاملة تحققت ولا بقيت الإنجازات القليلة الأولى من العدالة الاجتماعية، وهو معكوس الوضع السابق، كلية
في المرة الأولى، ضحوا بكل الحريات السياسية الديمقراطية، من أجل بعض"العدل الاجتماعي. وفي المرة الثانية، ضحوا بكل العدل الاجتماعي من أجل بعض الحريات السياسية"
وكان الثمن في الحالتين، باهظا، دفعه الجميع، من حياتهم وحريتهم، المثقفون الذين شاركوا في المقايضثين او في احداهما، والجماهير التي خسرت كل شئ في المرتين، فلا هي في المقابضة الأولى کسبت الاشتراكية الكاملة على جثة الديمقراطية المنقوصة، ولا هي في المقايضة الثانية كسبت الديمقراطية الكاملة على جثة الاشتراكية المنقوصة.
الثورة والشعر الحر
يمكن، الأن، أن نعيم منظورنا إلى"ثورة يوليو و الثقافة والمثقفين لنرصد جملة من الظواهر الإيجابية، تلخص بعضها فيما يلي؛"
ا- تأكيد الطابع الاجتماعي في الفكر والثقافة والأدب. فلقد كان هذا الطابع الاجتماعي في فكر وثقافة وادب ما قبل يوليو 1952 خافتا ثانوية نظرا لسيادة التوجه الوطني الاستقلالي والليبرالي في الفكر والأدب والنضال المصري بعامة، إذ كانت المسالة الوطنية والمسألة الديمقراطية المحورين الرئيسيين في العمل الوطني والفكري السابق على الثورة، ولم تكن المسألة الاجتماعية في العمل السياسي أو الأدبي مطروحة إلا على استحياء في بعض الممارسات الفكرية الحلقات الماركسية الموجودة على الساحة آنذاك منذ بدايات العشرينيات وفي بعض أفكار وكتابات بعض الرواد ذوي التوجه الاجتماعي (الرومانتيكي أو الخيالي الطوبوي احيانا) مثل طه حسين وسلامة موسي ومحمد حسين هيكل وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد مندور ولويس عوض
مع ثورة يوليو، صار البعد الاجتماعي في الرؤية الفكرية أو الأدبية جذرا أساسيا من جذور النظر الفكري والجمالي، وانتعش بذلك تيار ادبي کامل، أفسحت أمامه نسبيا منابر التعبير والنشر والاتساع، بتشجيع الإجراءات الاجتماعية للثورة، والدعوة التي شاعت نحو فكر وأدب مرتبطين بقضايا وحياة الجماهير والواقع الاجتماعي.
2 -وقد نتج عن هذا التجذير الاجتماعي في الفكر والثقافة تيار الواقعية في الأدب والفن، فتجادلت مفاهيم وتصارعت رؤى جديدة لتوطد اركان هذا المنهج الواقعي.
وقد دفع هذا التيار عجلة الشعر الحديث (الحر) دفعة قوية، جعلت الكثير من النقاد (مثل لويس عوض وغالي شكري) يعقدون صلة ارتباط وثيقة بين ثورة يوليو 1952 وازدهار ونمو ظاهرة حركة