ذاته- تجسيدا للتناقض الذي تعيشه ثورة يوليو
فمن ناحية، حينما انهار المسرح في السبعينيات، بعد رحيل عبد الناصر وبدء سياسة الانفتاح الاقتصادي، افتقد الناس التعبير السياسي والحزبي، ولم تفلح الحياة الحزبية المحدودة (المحددة) بعد ذلك، في أن تصبح بديلا للمسرح أيام الخمسينيات والستينيات (المزدهرة) .
ومن ناحية ثانية، وصل التردي الاجتماعي والمسرحي الراهن بالعديد من المثقفين إلى أن يحلموا باستعادة ازدهارات الستينيات المجيدة، على الرغم من أن ازدهارة المسرح في الستينيات لم تكن اكثر من مجرد"تقد جزئي من داخل الإطار الواحد، ولم تبلغ مبلغ"النقض الجذري للنظام وفلسفته الاجتماعية والفكرية
-وبرغم الطابع العسكريتاري للثورة والثوار من ناحية، وبرغم براجماتيتها في المسألة الدينية ورفعها شعار الدين الإسلامي لتجنب الصدام مع المشاعر الإسلامية من ناحية ثانية، فإن واحدة من أهم إنجازات ثورة يوليو 1952 في حياتنا الفكرية والثقافية، كانت تأكيد الطابع المدني والعلماني في معظم مناحي العمل الوطني، فمع أنها دعمت الأزهر كمؤسسة دينية شرعية، فإنها قد حولته إلى جامعة مدنية علمانية تدرس الطب والهندسة والبيولوجيا وشتى العلوم الدنيوية، ولا تقتصر على علوم الدين والشريعة والفقه الإسلامي.
وكان تحويل الأزهر إلى جامعة مدنية علمانية عملا ذا دلالة اجتماعية وفكرية وحضارية كبيرة ذلك أنه أضاف تأكيدا جديدا على أن الثورة الوطنية الديمقراطية المصرية هي في حلقاتها السابقة والراهنة ثورة ذات طابع علمائي باهر، وليست ذات طابع ديني، مؤكدة استمرار وتواصل التراث الوطني الدنيوي المعيشي لا الديني الثيوقراطي- منذ بدايات"محمد علي مع بناء الدولة الحديثة"
في المرة الأولى، القلب محمد علي على علماء الدين جميعا، أولئك الذين عينوه واليا، ولم بشر الشعب في وجهه مناصرة لرجال الدين، لأنه كان يقدم للشعب إنجازات مدنية وعسكرية وتعليمية ملموسة
وفي المرة الثانية، كان البيان الأولى للحزب الوطني الأول (احمد عرابي ورفاقه يؤكد انه حزب لا يقوم على أساس ديني، بل على أساس وطني.
وفي المرة الثالثة، كان شعار ثورة 1919 (سعد زغلول) أن"الدين لله والوطن للجميع ووحدة الهلال مع الصليب مؤكدا على المعيار الوطني لا المعيار الديني للمواطنة المصرية."
وفي هذه المرة، مع عبد الناصر، فعلى الرغم أنه لم يرفع شعار"الدين لله والوطن للجميع"، لكن تحويل الأزهر بمعناه الديني السلفي التقليدي إلى جامعة مدنية عصرية، بدون أن تنقض عليه الجماهير لانه كان يقدم لها إنجازات وطنية واجتماعية كان يعني تأكيد الطابع العلماني لحلقات الثورة المصرية الحديثة، وتاكيد الطابع الدنيوي، لا الديني، للجماهير المصرية التي تنحاز لمصلحتها العملية ولمن يقدم لها إنجازات ملموسة في حياتها الواقعية.
أن النزعات الدينية السلفية، وتقسيم الناس بمعيار الدين، كانت تتلاشى طوال حلقات الثورة